الفساد (16)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
صور من فساد برلمان مبارك (2-2)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد شهد البرلمان المصري في العقدين الأخيرين مِن عهد مبارك صورًا مِن الفساد المقنن، وتزاوج بين السلطة والثروة أثمر عن منظومة من الفساد الممنهج الذي لا يراعي إلا مصالح الطبقة الحاكمة والحزب الحاكم ومصالح رجال الأعمال من المحتكرين، وإن لم يخلو الأمر مِن محاولات من بعض الشرفاء للتصدي من وقت لآخر لهذا الفساد المستشري، وإن لم يسفر في النهاية عن نتائج ملموسة في مواجهة تنامي هذا الفساد، ونشير هنا في عجالة إلى بعضٍ مِن هذه الجهود:
مِن جهود النائب علوي حافظ في البرلمان:
شهد برلمان مبارك جهودًا كبيرة من النائب علوي حافظ في مواجهة محاولات تقنين الفساد في البلاد. وعلوي حافظ هو أحد الضباط الأحرار في ثورة يوليو 1952 م، ولكنه اختلف معهم وفضَّل العمل السياسي، وكان له عبر تاريخه في العمل السياسي مواقف مشهودة تتصف بالشجاعة والقوة، تصدى فيها لما يراه مِن صور الفساد، وقد حاول خلال مدة عضويته في البرلمان -والتي امتدت لنحو 30 عامًا- القيام بدوره الرقابي كنائبٍ يمثِّل الشعب ويحرص على مصالحه وحقوقه.
ومِن ذلك:
أ- مبادرته في جلسة 5 أبريل 1988م للتحذير من مشروع قانون (تنظيم تملك غير المصريين للعقارات المبنية والأراضي الفضاء) على الصورة التي تم تنفيذه بها، وهو ما كشفت عنه الأيام والسنين بعد ذلك، حيث تم بيع آلاف الأفدنة وملايين الكيلو مترات من أراضي مصر للأجانب بأبخس الأسعار في مقابل عمولات لمسئولين في النظام الحاكم. وقد واجه علوي حافظ رئيس الوزراء وقتها -د.عاطف صدقي- في جلسة ساخنة متهمًا له ولحكومته بالفساد؛ مما ترتب عليه تحويله إلى لجنة القيم بمجلس الشعب، والتي أوصت في جلستها في 4 يونيو 1988م بحرمانه مِن الاشتراك في أعمال المجلس لمدة 10 جلسات، وقد رفضت أغلبية المجلس برئاسة رفعت المحجوب في 5 يونيو 1988م تظلم النائب علوي حافظ على توصية اللجنة.
ب- في مناقشته في جلسة مجلس الشعب مارس 1990م كشف عن تربح حسين سالم -وهو مِن المقربين لمبارك- مِن عمليات نقل شحنات من السلاح الأمريكي لمصر، وتقديمه فواتير مزورة لوزارة الدفاع بالولايات المتحدة الأمريكية باعتباره رئيسًا لشركة وهمية يشاركه فيها بعض كبار المسئولين في مصر، وقد تربحوا عشرات الملايين من الدولارات من وراء ذلك، وهو ما تعرضت له بعض الكتب الأمريكية وقتها، ونقل عنها علوي حافظ تفاصيل الفضيحة.
ج- تعرضه لقضية فساد تتعلق باستيراد ألبان وأغذية ملوثة في صفقة مشبوهة مع أحد الشركات الألمانية.
د- تعرضه لتقديم محافظ الإسماعيلية وقتها لأراضي على لسان البحيرات المرة وفي جزيرة التمساح لعددٍ مِن المسئولين والوزراء بسعر رمزي 30 جنيهًا للمتر، وبالتقسيط المريح، ليقيموا عليها قصورًا ومبانٍ فاخرة؛ مما أضاع على الدولة قرابة 100 مليون جنيه.
وقد واجهت حكومة د.عاطف صدقي وقتها هذه الاتهامات بالنفي، وبأنها تشوه سمعة مصر، وقام نواب الحكومة في البرلمان -وهم الأغلبية- بالتشويش على استجوابات النائب علوي حافظ، وهي الاستجوابات الذي كشفت السنوات بعدها صحة أكثر ما فيها مِن صور الفساد (راجع في ذلك: "كواليس الفساد في برلمان مبارك"، للمحرر البرلماني محمد المصري ط. كتاب اليوم - أغسطس 2014 م، ص 15 - 35) .
يقول الكاتب محمد المصري: "ويبقى أن أقول: إن تحقيقات إدارة الكسب غير المشروع أثبتت بعد ثورة 25 يناير 2011 م أنه كان يوجد تلاعب في توزيع أراضي البحيرات المرة، وأن هذه الأراضي كانت تباع بتراب الفلوس وتوزع على المحاسيب والوزراء والمسئولين، وأن علوي حافظ -رحمه الله- كان على حق في كل اتهاماته التي كان يذكرها عن النظام الفاسد الأسبق، ولكنه كان ينفخ في قربة مقطوعة... ولم يستمع له أحد" (انظر المصدر السابق، ص 36) .
مِن جهود النواب في التصدي لسياسة الخصخصة في عهد مبارك:
جاءت عملية الخصخصة للقطاع العام في عهد مبارك وما سببته من خسائر كبيرة وإهدار لممتلكات الشعب، وما اتبعها من سياسة الاحتكار من بعض المستثمرين في ظل مباركة وتشجيع من الحكومة وقيادات الحزب الحاكم، وقد حاول العديد من النواب التصدي لهذا الفساد والتحذير من خطورته على الاقتصاد، ولكن دون جدوى، إذ كانت الحكومة تنفذ ما تريد غير عابئة باعتراض المعترضين واستياء المستاءين، والأمثلة على ذلك كثيرة، سواء باعتراض المعارضين على إجراءات عمليات البيع والخصخصة، أو التحذير من مغبتها.
ومِن ذلك:
تقدم النائب البورسعيدي البدري فرغلي باستجواب لوزير قطاع الأعمال في يناير 1990م حول قيام وزارة القطاع الأعمال ببيع بعض شركات قطاع الأعمال مثل شركة النصر لصناعة المراجل البخارية وشركة الكابلات الكهربائية والشركة المصرية لتعبئة الزجاجات (بيبسي كولا)، وشركات أخرى، بأقل من قيمتها الحقيقية، وبدون اتباع أساليب البيع القانونية، وبطريقة مشبوهة جعلت بعض قيادات المكتب الفني بالوزارة وبعض مستشاري الوزير الاقتصاديين يقيمون علاقات غير مشروعة مع بعض المؤسسات المالية الأجنبية التي تقوم بعقد صفقات البيع وتقديم التسهيلات مقابل مكاسب مادية ومنافع شخصية.
وأشار النائب إلى أن الوزارة قامت ببيع تلك الشركات التي تملك مساحات أراضي داخل كوردون المدن مما يعظم مِن قيمة أراضيها المادية، وأن الشركات المشترية تتجه نحو إغلاق الفروع المنتجة ووقف نشاطها، لبيع الأراضي على حساب زيادة البطالة ونقص فرص العمل على عكس ما كانت عليه عقود البيع، وذكر أنه قد أعلن عن تمليك 10 % من أسهم بعض هذه الشركات، واتضح أن ذلك كان على الورق فقط، ودون تمليك حقيقي. وقد كان رد رئيس الوزراء على الاستجواب بكلمات مرسلة تبعد عن الحقيقة، وقد كشفت الأيام عدم صدقها (راجع المصدر السابق، ص 42-43) .
خصخصة شركة المراجل البخارية:
جاءت خصخصة هذه الشركة كأول نموذج لفساد الخصخصة في عهد مبارك، والتلاعب فيها، وإهدار أموال الشعب وممتلكاته، وضرب الاقتصاد المصري باسم الإصلاح.