الفساد (16)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
حرص الحزب الوطني في آخر انتخابات شهدها قبل ثورة 25 يناير على إقصاء المعارضة وتهميش دورها؛ لئلا تنغص عليهم خطواتهم المقبلة، أو تذكرهم بفسادهم وفشلهم في إدارة البلاد، فتم تعديل الدستور في عام 2007م لتتولى الانتخابات لجنة عليا من بين أعضائها أعضاء من هيئات قضائية حاليين وسابقين، وأن تشكل هذه اللجنة اللجان العامة التي تشرف على الانتخابات على مستوى الدوائر الانتخابية واللجان التي تباشر الاقتراع ولجان الفرز، على أن تشكل اللجان العامة من أعضاء من هيئات قضائية، وأن يتم الفرز تحت إشراف اللجان العامة، وكان الغرض إلغاء الإشراف القضائي على العملية الانتخابية بما يتيح الفرصة للتزوير والتلاعب في البطاقات الانتخابية من خلال سيطرة البلطجية وتقديم الرشاوى وشراء الأصوات من أصحاب رؤوس الأموال على الانتخابات، وهذا ما حدث في انتخابات 2010م مِن تدخل سافر في الانتخابات بما لم يسمح للمعارضين والمستقلين بالنجاح فيها إلا لأعدادٍ قليلةٍ لذر الرماد على العيون؛ هذا إلى جانب اللعب في الدوائر الانتخابية فيها، فبعد إنشاء محافظات جديدة في حلوان و6 أكتوبر والأقصر تم إعادة تقسيم الدوائر فيها مع المحافظة على أعداد الدوائر القائمة، وإلغاء دوائر كان يتمتع فيها بعض المعارضين بأغلبية شعبية.
ولقد اعتاد نواب الأغلبية الموالين للحزب الوطني الحاكم على التصدي لآراء المعارضة والمستقلين، والحيلولة بينهم وبين أداء دورهم الرقابي والتشريعي بالتضييق عليهم في الكلمات، والتشويش عليهم أثناء عرض أي استجواب لهم فيه اتهامات للحكومة، وتم تحويل بعض هؤلاء المعارضين إلى لجنة القيم وحرمانهم من بعض الجلسات، ولقد كشف برلمان مبارك الأخير عن مدى سيطرة أمين التنظيم للحزب الوطني على الأغلبية في البرلمان، واستخدام هذه الأغلبية كسلاح في خدمة النظام وفساده، وإن كان بعض هذه الأغلبية كان يقوم بذلك عن اندفاع وحسن نية تحت زعم الالتزام الحزبي، وهم يجهلون كونهم أوراق في يد الحزب يتلاعب بهم في خدمة مصالح الحزب ومصلحة أفراد معدودة من النظام الحاكم ورجال الأعمال.
البرلمان يستهين بتقارير الجهاز المركزي للمحاسبات:
على مدى العشر سنوات الأخيرة من عمر برلمان مبارك كان رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات يقدِّم سنويًّا تحت قبة مجلس الشعب تقريرًا صادرًا من الجهاز المركزي للمحاسبات يقيم أداء الحكومة ويراجع سياستها الاقتصادية والاجتماعية، مع تقديم ملاحظات الجهاز عن الحسابات الختامية للموازنة العامة، وقد تكرر من رئيس الجهاز في عرضه لهذه التقارير التأكيد على أن سلبيات الحكومة تفوق إيجابياتها، مشيرًا إلى ما يعانيه الكثير مِن المهمشين ومحدودي الدخل، وما يتعرض له الناس من مشاكل وأزمات، وغياب التنسيق بين الأجهزة الحكومية والمحليات، ووجود تراخٍ في بعض الجهات التنفيذية، ولم تأخذ الأغلبية مِن نواب الحزب الوطني الحاكم في البرلمان هذه التقارير السنوية من الجهاز المركزي للمحاسبات -المنوط به من الدولة مراقبة أداء الحكومة- مأخذ الجد، بل بالتشكيك فيها، وعدم الاعتراف بما فيها من سلبيات.
قال الكاتب الصحفي والمحرر البرلماني محمد المصري: "والحقيقة أن تقارير الجهاز كان بها آلاف الملاحظات عن أداء الحكومة... وآلاف التحذيرات من استشراء الفساد في بعض الوزارات والمصالح والمؤسسات... ولكن لا حياة لمن تنادي... بل إن هذه التقارير في السنوات الأخيرة كانت لا توزع على المحررين البرلمانيين باعتبارها مادة صحفية دسمة لكشف فساد الحكومة، وكان البعض الآخر منها يُحبس في الأدراج ولا يناقش!" (الكواليس، ص 82) .
ويعلِّق على ذلك بقوله: "إنني أرجو أن تأخذ تقارير الجهاز المركزي للمحاسبات حقها مِن الدراسة والبحث... حتى لا ننسى ما حدث في سنوات ما قبل 25 يناير... وحتى لا ينفخ الجهاز في القربة المقطوعة مرة ثانية".