تأملات في مسألة القدس
الشيخ ياسر برهامي • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد قال الله -تعالى-: ( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا . فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا . ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا . إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا . عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا ) (الإسراء:4-8) .
دلت الآيات الكريمة على أن بيت المقدس -وما فيه مِن المسجد الأقصى الذي بناه إبراهيم أو إسحاق أو يعقوب -عليهم السلام-، كما دل عليه قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي ذر -رضي الله عنه- لما سأله: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ أَوَّلَ؟ قَالَ: ( المَسْجِدُ الحَرَامُ ) قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ ( المَسْجِدُ الأَقْصَى ) قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: ( أَرْبَعُونَ عَامًا ) (متفق عليه) - قد وقع عليه مِن تبديل الأحوال وتسلط الكفار عليه عدة مرات، بخلاف المسجد الحرام الذي أعتقه الله مِن الجبابرة -كما هي أحد معاني البيت العتيق- فكان حتى مَن تسلط عليه مِن المشركين، كما كان قبل البعثة النبوية إلى يوم الفتح فتح مكة، كانوا مِن المعظمين للبيت لا مِن الراغبين في هدمه بخلاف القدس؛ فإن مَن ظهر عليها مِن الكفار كما وقع ذلك في عهد بختنصر، وكما وقع في عهد الرومان قد هدموا البلد كلها، وتبروا ودمروا ما علوا تتبيرًا، وهُدم المسجد مرات، فقد تعاور على القدس أمم عديدة.
ودلت الآيات أيضًا: على أن سبب زوال التمكين للمسلمين عليها هو الكِبْر والفساد في الأرض، الذي أعظمه الشرك بالله، وتكذيب الأنبياء وقتلهم، كما قال -تعالى- عن بني إسرائيل: ( ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَ?لِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَ?لِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ ) (آل عمران:112) .
فالمعاصي والاعتداء على حدود الله وعلى الناس سببٌ لحصول الكفر بآيات الله، وتكذيب الأنبياء وقتلهم، وهذا سبب لتسليط مَن هو أكفر منهم وأشد فسادًا؛ عقوبة مِن الله -عز وجل- لهم عسى أن يراجعوا أنفسهم كأمة فيتوبوا إلى الله فيرحموا، كما قال -تعالى- في ختام هذه الآيات بعد أن ذكر الهدم الثاني للمدينة، قال -سبحانه وتعالى-: ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا . عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ )، وذلك بأن يتوبوا إلى الله -عز وجل-.
ودلت الآيات: على أن تبدل أحوال الأمم بين القوة والضعف والتمكين، وتسلط الأعداء، هو من عند الله وبقدرته، قال -تعالى-: ( ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ )، فالله الذي رد لمؤمني بني إسرائيل الكرة على عدوهم مع طالوت وداود -عليه السلام-؛ لما أثمرت الدعوة إلى الله التي قام بها نبيهم ثمرتها، ووُفقت طائفة منهم للإيمان وصدقت الرغبة في الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، والله هو الذي أمدهم بالأموال، قال -تعالى-: ( وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ ) فالأوضاع الاقتصادية ليست كما يظن البعض بأيدي الأغنياء والأقوياء، فهي بيد الرزاق ذي القوة المتين، وإن كان ذلك بالأسباب، وهو الذي -سبحانه- أيضًا الذي أمدهم بالبنين، وهم الشباب المطيعون لآبائهم، العارفون لقدر سلفهم الصالح ومنزلتهم، والله هو الذي جعلهم أكثر نفيرا، قال -تعالى-: ( وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ) وهو القوة العسكرية التي تنفر وتقاتل، رغم أنهم كانوا أقل مِن عدوهم إذ كانوا ثلاث مائة وبضعة عشر رجلًا، كعدة أصحاب بدر كما ثبت في الصحيح، ولكنهم كانوا أقوى بالثقة بالله والإيمان به، واليقين بلقائه، ( فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ . وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ . فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ ) (البقرة:249-251) ، ثم هم قد صاروا أكثر نفيرًا مما كانوا عليه عند سبي بابل وبعدها مما أعجزهم عن القتال، بخلاف أيام طالوت وداود، فقد كانت الهمم العظيمة مِن أمثال داود والذين يظنون أنهم ملاقو الله مِن أعظم أسباب القوة العسكرية الناجحة التي هزموا بها الأعداء -بإذن الله-.