شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات في مسألة القدس

الشيخ ياسر برهامي • قضايا معاصرة

فقوة الأمم وضعفها يتغير ويتبدل، وبالإحسان يعطينا الله مِن أسباب القوة ما ليس بأيدينا الآن، قال -تعالى-: ( إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا )؛ فهذا الإحسان بيننا وبين الله بالإخلاص والمراقبة له، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( الإِحْسَانُ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ ) (متفق عليه) ، وبالإحسان بيننا وبين الناس، قال -تعالى-: ( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ) (البقرة:83) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ ) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني) ، فلا نظلمهم ولا نقهرهم ولا نسفك دماءهم، ولا نكون جبارين على الناس؛ فضلًا عن أبناء أمتنا وجلدتنا.

وتأمل أن الله -سبحانه وتعالى- لم يرد عليهم القدس بغير أسباب، بل بالمال والشباب والقوة العسكرية، فلم يدخلوا معركة يعلمون أنهم مهزومون فيها، كما تصور البعض أن التوكل على الله معناه: إلغاء حسابات القوة! وما قاتل طالوت "ومعه داود" إلا بعد إعداد العدة.

ولذلك نقول: لابد من أخذ الأسباب، وليس إهدار الأسباب، كما يفعله بعض الجهال مِن أهل البدع الذين يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، ويعيشون في أحلام الوهم مِن أنهم سوف يعودون إلى القدس مع بدعتهم وظلمهم وطغيانهم!

فمِن الخطأ البيِّن أن نظن أن الأحوال في القوة والضعف لا تتغير، وأعظم من ذلك خطأ وخطرًا أن نظن أنها بيد الناس! نعم هي بأسباب، لكنها بيد الله.

وأعظم مِن ذلك خطرًا وخطيئة: أن يغير البعض اعتقاداتهم الإيمانية والإسلامية، بل ويسعى إلى تغيير اعتقادات الأجيال القادمة فيما يتعلق بالحق والعدل، فيجعل الباطل حقًّا؛ لأن الباطل قوي الآن، أو يجعل الحق باطلًا؛ لأن الحق ضعيف الآن، فسرعان ما يتغير ميزان القوة والضعف إذا أحسنا، وسرعان ما يزول الممكن إذا علا وأفسد، وإن كانت أعمار الأمم ربما تكون بالعقود من السنين أو القرون وليست بالسنوات المعدودة، وكل ذلك من الامتحان والابتلاء الذي يبتلي الله به العباد لينظر كيف يعملون في حال قوتهم وضعفهم.

وأهل الإيمان والإسلام ورثوا أحقيتهم في القدس وفلسطين بمقتضى إيمانهم لا نسبهم، وقد ظن اليهود أن استحقاقهم بالقدس بمجرد النسب؛ فضلوا، وإنما استحقوها بالإيمان، فقد كانت لهم عندما كانوا مؤمنين مطيعين، ودخلوها مع يوشع بن نون لما أطاعوا الله بعد معصيتهم، أي معصية الجيل الذين قالوا لموسى -عليه السلام-: ( فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) (المائدة:24) ، وإنما كان تسلطهم في العصر الحديث من جنس تسلط بختنصر والرومان الذين هدموا القدس بالكلية، وذلك بتكذيب اليهود عيسى -صلى الله عليه وسلم-، ثم تكذيبهم محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ فلم يكن تسلطهم على القدس فعليًّا بمقتضى إيمانهم، بل بمقتضى إفساد المسلمين وبغيهم، وأهل الإيمان والإسلام ملكوا القدس وأعادوا بناء المسجد الأقصى كما بشَّرهم نبيهم -صلى الله عليه وسلم- أنهم يملكون القدس بعد موته، كما قال في الحديث الصحيح: ( اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ: مَوْتِي، ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ المَقْدِسِ ) (رواه البخاري) ، فملكوها في عهد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بإيمانهم وإسلامهم، وطاعتهم وجهادهم، ثم لما عصوا وفسقوا؛ تملك عليهم أهل البدع المكفِّرة: كالباطنية، وغلاة الرافضة، والقرامطة، وغيرهم؛ نُزعت منهم القدس، وأخذها الصليبيون، فلما عادوا إلى الله، وهدموا دولة الضلال حين ألغى صلاح الدين دولةَ الباطنية "المسماة: بالفاطمية!" ونشر السنة والعلم؛ مَنَّ الله عليه بفتحها مرة أخرى، ثم عادوا إلى الفساد والعلو والبدع والشركيات كما وقع في آخر الدولة العثمانية فأخذها الاحتلال الغربي وسلَّمها لليهود، فأقاموا فيها دولتهم، ولكن أهل الإيمان والإسلام على يقين مِن عودتها، على الأقل في زمن المسيح -عليه السلام-، وندعو الله أن يكون قبل ذلك، كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن المسيح -عليه السلام- ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، والمسلمون في صلاة الصبح، يصلي خلف إمامهم، ثم أخبر أنه يطلب المسيح الدجال فيدركه بباب لد فيقلته ويريهم دمه في حربته، وباب لد من أعمال القدس وضواحيها.

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ، فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ ) (رواه مسلم) .

فهذه عقائد لا يملك أحدٌ تغييرها، ومَن تغيرت عنده؛ فهو يُخرِج نفسه مِن الأمة ويضر نفسه أعظم الضرر، ويعرِّض نفسه لأعظم الخطر.

وإن غدًا لناظره قريب.

الصفحة السابقة