شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (17)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

صور مِن فساد وزراء مبارك

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد شهدت فترة حكم مبارك صورًا مِن الفساد لبعض الوزراء في ظل تقلص العمل الرقابي للبرلمان، وغياب درجة الحرية المطلوبة للصحافة والإعلام، وفقدان الرقابة الشعبية لدورها، خاصة فساد بعض الوزراء الذين نالوا رضا مبارك وثقته فمكثوا في العمل السياسي لسنواتٍ طويلةٍ، في حكومات افتقدت الرؤية الواضحة للسياسات المالية والاقتصادية، ولم يسلم الوزراء فيها مِن الشللية والصراعات الشخصية، وما صاحبها مِن العمل في جزر معزولة عن بعضها البعض، خاصة مع تسلط الحزب الوطني الحاكم وقياداته، وسيطرته على البرلمان ونوابه، مما مكَّن النظام الحاكم مِن تمرير وتنفيذ كل ما يراه مِن سياسات دون التفات لأي انتقاد أو اختلاف في الرأي مهما كانت وجاهته، ودون إبداء المرونة المطلوبة في المناقشة والاستفادة من تعدد الآراء والتوجهات، وإظهار القدرة على البيان المقنع، وبذل الجهد في اكتساب المؤيدين والمتقبلين للسياسات المطبقة، أو الاستفادة مِن المعارضة في تقييم الأداء والتجربة، وتعديل السياسات بما هو في صالح البلاد والعباد.

وبلغ التسلط مداه في السنوات الأخيرة مِن فترة حكم مبارك، والتي بدا فيها أن النظام صار يضيق صدرًا بأي معارضة، ويشدد قبضته الأمنية القوية على البلاد في اتجاه التمكين للدولة البوليسية، ويمهد للاستمرار على هذا النهج والتوجه مِن خلال السعي لتوريث الحكم، في ظل تملك كل -أو معظم- الخيوط والتحكم فيها، ويمكن إلقاء بعض الضوء على صور فساد بعض الوزراء مِن خلال بعض الأمثلة الصارخة على ذلك، ومنها:

صور مِن فساد أشهر وزراء مبارك في وزارة الزراعة:

يُعد هذا الوزير مِن أشهر وزراء مبارك في فترة حكمه، حيث عمل وزيرًا للزراعة لمدة 22 عامًا، مِن يناير عام 1982 م -أي مع بدايات حكم مبارك - وحتى 2004م، معاصرًا لستةٍ مِن رؤساء وزراء لمصر، كما تولى منصب النائب لرئيس الوزراء، وخرج مِن الوزارة ليشغل منصب الأمين العام للحزب الوطني الحاكم، أي أنه كان محل ثقة مبارك الكبيرة، بل وأحد أعمدة نظامه، ومع هذه المنزلة والمكانة فقد شهدت فترة عمله الكثير من علامات الاستفهام وإشارات الاتهام التي تحتاج إلى إعادة النظر فيها، وإجراء التحقيقات بشأنها، والمحاسبة على ما فيها مِن مخالفات، حيث كثر اللغط والكلام عليها طوال فترة حكم مبارك، ولم يجرؤ أحد على محاسبة الرجل أو المطالبة بمراجعته:

1- فهذا الوزير هو مسئول ملف التطبيع الزراعي المصري مع إسرائيل بعد توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل في عام 1979م؛ بدأه منذ أن كان نائبًا للشئون الدولية لوزير الزراعة الذي كان قبله، فارتبطت سياسته الزراعية بالتعاون مع مراكز الأبحاث الإسرائيلية، وكان مِن ثمارها التوسع في زراعة المحاصيل ذات الأرباح السريعة كالفراولة والكنتالوب على حساب المحاصيل الهامة: كالقمح والأرز والقطن.

2- وهذا الوزير في عهده كان السماح باستيراد المبيدات الزراعية المسرطنة والمحرمة دوليًّا، وهي قضية حكمت المحكمة فيها على وكيل وزارة الزراعة وعلى مستشارة البورصة الزراعية بالسجن لمدة 10 سنوات للأول و7 سنوات للثانية، وهي قضية تتعلق بتهمة إدخال آلاف الأطنان من المبيدات السامة إلى مصر في مقابل عمولات وسمسرة وتربح من الشركات العالمية الموردة لتلك المبيدات، وهي مبيدات ضارة تتسرب إلى التربة الزراعية، ومنها إلى الغذاء والمياه مما يتناوله المواطنون، وبالتالي تسبب أمراضًا خطيرة، منها: السرطان والفشل الكلوي والالتهابات الكبدية (راجع في ذلك: كواليس الفساد في برلمان مبارك، للكاتب محمد المصري ط. كتاب اليوم - أغسطس 2014م - ص 133 -134) .

قضية المبيدات أمام مجلس الشعب:

قام بعض نواب المعارضة بإثارة قضية المبيدات السامة أمام مجلس الشعب، وعرض ملف القضية على لجنة الصحة بمجلس الشعب في نهاية يناير 2005م بعد خروج وزير الزراعة المسئول مِن الوزارة، فقد خرج منها في يوليو 2004م، وإن بقي في منزلته الرفيعة الجديدة، الأمين العام للحزب الوطني الحاكم. وقد ذكر د.حمدي السيد رئيس لجنة الصحة الأسبق بمجلس الشعب للنواب أمام اللجنة أن هناك 25 ألف طن مبيدات دخلت مصر في عهد يوسف والي وزير الزراعة السابق بطريقة غير مشروعة، وكانت تتم تعبئتها في مصانع القطاع الخاص، في الوقت الذي لم تسجل فيه البيانات الرسمية سوى 4 آلاف طن فقط.

وذكر أيضًا: أن هناك 40 ألف مواطن يتعاملون مع هذه المبيدات دون أن يعلموا مدى خطورتها (انظر كواليس الفساد: 134 -135) ، وذكر د.شوقي الحداد أستاذ الأورام في طب قصر العيني أمام النواب في اجتماع اللجنة أن سرطان القولون كان ينتشر فقط بين كبار السن في المصريين، وأننا عندما كنا نعثر على شاب مصاب بسرطان القولون فإننا كنا نعتبره حالة شاذة، ونقوم بإجراء الدراسات الطبية والمعملية لحالته في كلية الطب، ولكن في السنوات الأخيرة زادت حالات الإصابة بسرطان القولون بين الشباب في سن ال 30 بسبب الغذاء الملوث بالمبيدات! (الكواليس، ص 139) .

ويقول الكاتب محمد المصري المحرر البرلماني لمجلة أكتوبر في ذلك الوقت: "وقد نشرت هذا الكلام على صفحات مجلة أكتوبر في ذلك الوقت، ولكن لم يتحرك أحد، ولم يتم التحقيق في هذا الكلام مع يوسف والي مِن أي جهة؛ لأن الرئيس المخلوع مبارك كان يضفي على رجاله الحماية من تقديمهم للمساءلة أو المحاكمة... بل إنني أقول: إن جريدة الشعب التي كان يصدرها حزب العمل عندما فجرت ونشرت تقارير الجهاز المركزي للمحاسبات عن المبيدات المسرطنة وغيرها مِن التقارير التي تفضح علاقة يوسف والي بالجانب الإسرائيلي... تم تقديم رئيس تحريرها مجدي أحمد حسين والمحرر صلاح بديوي ورسام الكاريكاتير بالجريدة عصام حنفي إلى المحاكمة بحجة سب وقذف يوسف والي! بل إن النظام الأسبق قام بإغلاق الجريدة كلها وتجميد الحزب" (الكواليس، ص 135).

الصفحة التالية