مخالطة الناس... هل يلزم منها الانغماس في فضول المباحات؟
الشيخ عبدالمنعم الشحات • مع الدعاة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم: ( الإيمان بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا: قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا: إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمان ) (متفق عليه) .
وهذه الشعب بعضها واجب، وبعضها مستحب؛ إلا أنها كلها مِن الإيمان، وشاء الله -عز وجل- أن يتفاوت الناس "أفرادًا وجماعات" في حظهم مِن هذه الشعب، وربما شاع في بعض الأزمنة والأمكنة التمسُّك الشديد ببعضها دون البعض الآخر.
كما نرى أن ترك بعض شعب الإيمان الواجبة أو الجرأة على فعل بعض المحرمات التي يجب تركها قد شاع في مكانٍ ما أو في زمانٍ ما شيوعًا كبيرًا حتى لا يكاد يستوحش فاعله، بل على العكس، ربما استوحش مِن تركه!
ومَن عاش في زمانٍ أو مكانٍ يضيِّع أهله شيئًا مِن شعب الإيمان ثم أراد أن يحافِظ عليها في نفسه، وأن يدعو غيره إليها سوف يشعر بغربةٍ، بشَّره النبي -صلى الله عليه وسلم- بالجنة بسببها، فقال: ( طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ ) قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنِ الْغُرَبَاءُ؟ قَالَ: ( الَّذِينَ يُصْلِحُونَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .
وبالطبع يأتي على رأس هؤلاء: مَن يجعلون متبوعهم هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ويقولون في كل واحد بعده: "كلٌّ يؤخذ مِن قوله ويُترك"، ومَن يحمون جناب التوحيد كما حماه؛ فيمنعون مِن كل صور الغلو في الصالحين: مِن إقامة المساجد على قبورهم، ومِن التبرك بهم، أو الحلف بهم، أو غير ذلك مِن الصور، وإن اتهمهم الناس بالحط مِن الصالحين!
وأيضًا: مَن يضعون العقل في موضعه، ويستعملونه في التثبت مِن ثبوت النص، وفي فهمه وفق القواعد المقررة شرعًا، وفي الجمع بين غيره وبين النصوص، وإن ادَّعى مَن ادَّعى أنهم يحطون مِن شأن عقولهم! لأنهم واثقون بأنهم يستعملون نعمة العقل في موضعها، بل في أشرف مواضعها؛ إذ يستعملونه في خدمة نصوص الوحي التي فيها الهدى والنور والحق.
ويدخل في ذلك: كل صور الهدي الظاهر التي تخالِف النمط الشائع في المجتمع، مثل: (اللحية - لبس القميص للرجل (القفطان)، وبالطبع الحجاب أو النقاب للمرأة - تقصير الثوب - المحافظة على صلاة الجماعة - الامتناع التام عن الدخان - والامتناع عن كل صور المعازف - الامتناع عن مشاهدة ما تُكشف فيه العورات من أعمالٍ درامية أو ألعاب رياضية - ... )، إلى غير ذلك مِن الأمور.
ومَن وفقه الله فحصل له العلم بكتاب الله وبسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما تعلمها وعمل بها صحابة رسول الله والتابعون وتابعو التابعين، ثم وفقه الله إلى تحرك إرادته إلى التمسك بما استقر عليه العرف في بلده مِن شعب الخير، ومجاهدة نفسه، ومجاهدة شعور الغربة الذي ينتج عن فعل ما اعتاد الناس تركه مِن الواجبات والمستحبات، وترك ما اعتاد الناس فعله مِن المحرمات والمكروهات؛ فهذا قد حصل له خير كثير يجب عليه أن يحافظ عليه وأن ينميه، ولكن ليس معنى هذا أنه قد أفلت مِن الشيطان؛ فلا يزال الشيطان متربصًا به، يمكن أن يجره إلى طريق الغلو، أو إلى طريق العجب، أو إلى طريق الاستعلاء على الخلق، إلى غير ذلك من أشراكٍ كثيرةٍ ينصبها الشيطان لمَن رغب في طريق الطاعة أو التنسك، أو وفق الاصطلاح المعاصر: "الالتزام".
ورغم أن هذه الأمور ليست على درجة واحدة؛ إلا أنها بمجموعها توحي بدرجةٍ ما مِن الحرص على الالتزام بما يطلب الشارع فعله مِن واجبات ومستحبات، والحرص على ترك ما يطلب الشارع تركه من المحرمات والمكروهات، ومَن يرجع إلى كتب أهل العلم يجد أنهم خاطبوا مَن يريد أن يلحق بركب الصالحين أو مَن ابتلي بأن جعله الله في موضع القدوة، مثل: العلماء، وطلبة العلم، والدعاة والوعاظ، ومرة أخرى أنهم خاطبوا مَن يمكن أن نسميهم بالاصطلاح المعاصر: "الملتزمين"، بأمور أعلى مما سبق.
فثمة مرتبة فعل الواجبات وترك المحرمات، يليها فعل المستحبات وترك المكروهات، يليها رتبة أخرى اعتنى بها أهل العلم جدًّا، وهي: ترك فضول المباحات، وهي المباحات التي لا تعود على الإنسان بنفعٍ في دينه ولا دنياه، فالعاقل هو مَن يقتصد فيها؛ ليوفِّر وقته لما يفيده، وليجنِّب نفسه تبعاتها؛ سواء الدنيوية أو الدينية.
قال ابن القيم -رحمه الله-: "قال لي شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- في شيءٍ مِن المباح: هذا ينافي المراتب العالية وإن لم يكن تركه شرطًا في النجاة" (مدارج السالكين) .
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-: "واعلم أن فتح باب المباحات ربما جر أذىً كثيرًا في الدين؛ فأوثق السكر قبل فتح الماء، والبس الدرع قبل لقاء الحرب، وتلمح عواقب ما تجني قبل تحريك اليد، واستظهر في الحذر باجتناب ما يُخاف منه وإن لم يُتيقن" (صيد الخاطر) .
وقد عدَّ السلف أن الإكثار مِن فضول المباحات بالنسبة لرواة الحديث وطلبة العلم وذوي الفضل هو نوع مِن خوارم المروءة، والعلماء يدخِلون في "خوارم المروءة" أمورًا محرمة تزري بصاحبها، وهذه لا خلاف عليها، كما يدخلون أمور أخرى وإن كانت مِن المباح؛ إلا أنها لا تليق بأهل الفضل، ومنها مثلًا: سير الرجل بثياب تستر عورته، لكن مع انكشاف أجزاءٍ من بدنه لم تجرِ تجري عادة ذوي الفضل بكشفها؛ وهذا لما استقرت عليه الفِطَر السليمة مِن أن الأكمل هو أخذ كامل الزينة، وإن كان الواجب هو ستر العورة، وهكذا...
فثمة مباحات معينة تُعد مِن خوارم المروءة، ويزداد قبحها كلما صدرت ممَن يرى الناس فيه أنه أقرب إلى الحفاظ على السُّنة، وعلى آدابها.
إذًا فمَن ابتلاه الله أن صار في موضع القدوة لغيره، مطالب بالإضافة إلى فعل الواجب وترك المحرم، وفعل المستحب وترك المكروه؛ بالترفع عن فضول المباحات، والترفع عن خوارم المروءة.