شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مخالطة الناس... هل يلزم منها الانغماس في فضول المباحات؟

الشيخ عبدالمنعم الشحات • مع الدعاة

وقد تظن أن هذه نظرة العلماء الربانيين الذي ينشدون الكمال للصالحين، ولكن الأمر ليس كذلك، فعامة الناس بفطرهم يريدون ممَن يعظهم ويعلمهم دينهم أن يكون كذلك؛ فتجدهم ينتظرون ممَن دل ظاهره على الالتزام بالسنة، فضلًا أن يكون مِن الداعين إليها: أن يكون ممَن طبَّق قوله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ) (البقرة:208) ، واقتدى بالنبي -صلى الله عليه وسلم- الذي قالت عائشة -رضي الله عنها- في حقه: "إِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ الْقُرْآنَ" (رواه مسلم) .

وينتظرون منه وقارًا، وترفعًا عن معظم -إن لم يكن كل- صور اللهو، وإن كان مباحًا، أي أن هذا الأدب ذكره لنا علماء التربية، ونجد صداه على أرض الواقع، وفي ردود فعل كثير مِن الناس.

ولكن قد يقول قائل: إن مِن آداب الداعي مخالطة الناس، وأنه جزءٌ مِن حسن الخلق، ومِن تربية النفس، ومدافعة صفات العجب، إلى آخر هذا الكلام.

وهذا كلام صحيح لا شك فيه، لكن ثمة مشاركات للناس لا تدخل في فضول المباحات، ولا في خوارم المروءة، بل إن بعضها واجب، وبعضها فرض كفاية، وبعضها مستحب، مثل:

- مشاركة الناس في الجمع والجماعات والأعياد.

- تلبية دعوة الداعي إلى وليمة العرس ونحوها.

- حضور الجنائز والصلاة عليها وتشييعها إلى المقابر.

- إعانة الضعفاء ومساعدة المرضى، والتصدق على الفقراء.

فهناك أنواع كثيرة مِن المخالطة تصب في ذات اتجاه الحفاظ على سمت طالب العلم، ومَن يتصدر للدعوة إلى الله -تعالى-، وتحقق أعلى درجات التواصل والمخالطة، وهنا قد يضطر الانسان إلى مصارحة نفسه بأنه مبتلى بحب شيء مِن تلك المباحات؛ يسرف فيها وفي متابعتها، بل ربما جره ذلك إلى بعض المحرمات.

وهنا نعود إلى أن كل عناصر الالتزام مع الاعتراف بتفاوتها في المرتبة؛ إلا أنها تحتاج إلى مجاهدة، كما قال -تعالى-: ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) (العنكبوت:69) ، وأن كل مرتبة مِن هذه المراتب سياج واقي للمرتبة التي قبلها، فمَن استسلم بسرعة في أي منها، فإن خسارته لا تقتصر على ذلك، بل إنه يعرِّض ما قبلها أيضًا للخطر.

ثم إن مَن ابتلي بالوقوع في شيءٍ مِن فضول المباحات فلا أقل مِن أن يقف بالخسارة عند هذا الحد بالمجاهدة مِن جانب، والتستر مِن جانب آخر بدلًا مِن أن يخرج بها مِن هذا الطور إلى طور خوارم المروءة.

وبعد: فتلك نصيحة مجملة تحتاج إلى كثيرٍ مِن التفصيل، وتفتقر إلى ضرب أمثلة، وإن كانت بعض هذه الأمثلة شاخصة ماثلة لكل ذي عينين، ولا تخفى على فطنة كل متابع، ولكن كل هذه الأمثلة متى طُرحت فربما احتاجت إلى مناقشة جوانب أخرى، يضيق المقام عنها، وفيما ذكر كفاية -إن شاء الله-، أسأل الله أن ينفعني وإياكم به.

الصفحة السابقة