شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (18)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

صور من فساد رجال الأعمال في عهد مبارك

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد انشغلت مصر في عهد مبارك بقضايا الاستثمار والمستثمرين، وما صاحبها مِن حكايات الفساد، وأخبار الصراعات بين رجال المال والأعمال مع بعضهم البعض، ومع أجهزة الدولة المصرفية والضريبية.

وقد ارتبط ذلك بإهدار الأصول الإنتاجية والموارد الاقتصادية وبيع أراضي الدولة بأبخس الأسعار وبطرق ملتوية، ووصل الأمر إلى شهود مكاتب التحقيقات وأروقة المحاكم بعض هذه القضايا ممَن تورط فيها البعض وفاحت رائحة فسادهم حتى زكمت الأنوف، بينما احتمى آخرون مِن رجال المال والأعمال بكبار قيادات ورجال النظام الحاكم والحزب الوطني الحاكم!

وقد حاول الكثيرون مِن الصحفيين والإعلاميين والمعارضين مِن النواب والمستقلين الوطنيين التصدي لهذا التيار الجارف، ولكن كانت جهودهم تصطدم دائمًا بشبكة الفساد الذي تغلغلت في كل مكان بما فيها الأجهزة الشعبية -كمجلس الشعب ومجلس الشورى- التي كانت تحت سيطرة الحزب الحاكم أو الأجهزة التنفيذية مِن الوزراء وكبار المسئولين، بل وصل الأمر إلى اختراق الأجهزة الرقابية والأمنية!

وقد كشفت العديد مِن التحقيقات في بعض القضايا بعد ذلك وجود سراديب خفية تربط في جرائم الفساد والنهب بين القاع وبين شخصيات كبرى في قمة أجهزة الدولة، بما يؤكِّد على أن المسألة ليست انحرافات فردية لرجال المال والأعمال مِن هنا أو هناك، بقدر ما هي منظومة جماعية تحميها قوانين ولوائح وقرارات يرعاها كبار رجال الدولة وقيادات الحزب الحاكم، غير مبالين بحالة الانهيار التي يسوقون الأمة إليها، والتي تؤثِّر تأثيرًا مدمِّرًا على أوضاع الدولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب تأثيرها السلبي على القيم والأخلاق لدى الشباب والأجيال القادمة، منشغلين بما جمعوا مِن الأموال، مِن العمولات والسمسرة، ومن المضاربة في البورصة، ومن احتكار السلع والاستيلاء على أقوات الناس والتحكم في أسعار المنتجات، ومن التحكم في عمليات الاستيراد والتصدير، والسيطرة على توكيلات الشركات العالمية في الأسواق، ثم بعد ذلك تهريب المليارات مِن هذه الأموال إلى بنوك سويسرا وإنجلترا وفرنسا وإسبانيا وغيرها، والتي يصعب استردادها بسبب سرية الحسابات، أو تعقد الإجراءات والألاعيب التي تتبع في إخفائها وتحصينها والحفاظ عليها في أرصدة أصحابها، إلى جانب القيام بعمليات الغسيل لها، تاركين البسطاء والفقراء والمحتاجين مِن الشعب يسكنون العشوائيات والمقابر، ويتصارعون على أساسيات الحياة اليومية مِن رغيف العيش إلى أنبوبة البوتاجاز!

أموال ومدخرات المصريين تتحول للخارج:

قدرت الأموال الموجودة بالخارج والتي يملكها مصريون مع نهاية فترة الثمانينيات بنحو 160 مليار دولار، منها ما قام أصحابها بإيداعها في بنوك الخارج أثناء عملهم أو تواجدهم في الخارج، ومنها ما قد تم تهريبها من داخل مصر إلى الخارج تحت بصر وسمع المسئولين (راجع في ذلك: اقتصاديات الفساد في مصر: كيف جرى إفساد مصر والمصريين 1974م - 2010م، عبد الخالق فاروق ط. مكتبة الأسرة 2012 م - الهيئة العامة للكتاب، ص 131 - 133) .

مسئوليات القطاع الخاص في الدولة:

يتولى القطاع الخاص في دول العالم في العصر الحاضر ثلاث مسئوليات مهمة، تتمثل في:

1- الدور التقليدي: المتمثل في الاستثمار والتنمية.

2- الدور التنافسي: بالمشاركة في عملية التطوير والتقدم التكنولوجي لمواكبة ومنافسة الآخرين، وإلا فاته قطار التقدم، وضاعت عليه فرص المنافسة والاستمرارية فيها.

3- الدور الاجتماعي: المتمثل في المساهمة والمشاركة في التنمية المجتمعية والتنمية البيئية، ولم يعد هذا الدور محدودًا ومقصورًا على التبرعات الفردية والمساهمات الاجتماعية بتشجيع أو طلب مِن الدولة، ولكنه تحول إلى إنشاء مؤسسات اجتماعية وخيرية، أي تعدى هذا الدور النمط الفردي إلى النمط المؤسسي المنظَّم، كما تنوعت أنشطته الاجتماعية مِن مجرد أنشطة تقوم على الرعاية إلى أنشطة تنموية أكثر فاعلية وتأثيرًا.

وبذلك انتقل دور القطاع الخاص الاجتماعي مِن الهواية إلى الاحتراف، وتحول مِن التبرع الخيري إلى درجة أعلى من الالتزام والمسئولية تجاه المجتمع.

ووجود التقصير في واحدة من هذه المسئوليات هو إخلال من القطاع الخاص في القيام بدوره في الدولة ومسئولياته تجاه المجتمع الذي يمارس أنشطته فيه.

احتكار الفرد أو القلة:

الاحتكار آفة من آفات الرأسمالية والليبرالية الاقتصادية، وفيه يسيطر فيها فرد -أو قلة من الأفراد- على تصنيع منتج -أو سلعة- في السوق وتسويقه وتوزيعه، بما يعطيه القدرة على التحكم في سوق هذا المنتج - أو السلعة- سواء بالتحكم في الكميات المعروضة في السوق، أو التحكم في سعره وتوجيهه، أو بالأمرين معًا، بما يؤدي إلى أضرار اقتصادية ومالية ببقية العاملين في السوق والمستهلكين من ناحية، ويؤدي إلى معدلات أرباح كبيرة تؤثِّر سلبًا على بقية قطاعات الإنتاج والاستهلاك من ناحية أخرى، مع وجود -أو وضع- الحواجز والمعوقات أمام الآخرين التي تمنع المشاركة في إنتاج نفس المنتج والمنافسة عليه!

والمنافسة الحرة المبنية على الشفافية والحيادية هي السبيل القويم للازدهار والتقدم الاقتصادي، وهي تستدعي وجود عددٍ كبيرٍ مِن المنتجين لنفس المنتج أو السلعة، بما يعني عدم قدرة أحدهم على التحكم في سعر المنتج -أو السلعة- أو توجيهه، فيبقى السعر محكومًا بالعرض والطلب، وبالسعر الذي يرتضيه المشتري ويأخذ المنتج -أو السلعة- به، وحول هذا السعر يكون تنافس المنتجون، مع بقاء السوق مفتوحًا حرًّا بلا معوقات أمام مَن يريد أن يدخل دائرة هذه المنافسة أو يخرج منها.

ولأهمية منع الاحتكار وإيجاد السوق المفتوحة أصدرت الولايات المتحدة الأمريكية -وهي في مقدمة الدول الرأسمالية- منذ نهاية القرن التاسع عشر قوانين لمنع الاحتكار وضمان المنافسة الحرة.

صورة مِن صور الاحتكار في حماية السلطة في عهد مبارك:

الصفحة التالية