الثبات (11) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
- ما هو مصير الساكتين؟ فإنهم سكتوا فسكت عنهم: عن عكرمة قال: "جئت ابن عباس يومًا وهو يبكي، وإذا المصحف في حجره، فأعظمت أن أدنو، ثم لم أزل على ذلك حتى تقدمت فجلست، فقلت: ما يبكيك يا ابن عباس، جعلني الله فداك؟ قال: فقال: هؤلاء الورقات. قال: وإذا هو في "سورة الأعراف"، قال: تعرف أيلة قلت: نعم. قال: فإنه كان بها حي من يهود سيقت الحيتان إليهم يوم السبت، ثم غاصت لا يقدرون عليها حتى يغوصوا بعد كد ومؤنة شديدة، كانت تأتيهم يوم السبت شرعًا بيضًا سمانًا كأنها الماخض، تتبطح ظهورها لبطونها بأفنيتهم. فكانوا كذلك برهة من الدهر، ثم إن الشيطان أوحى إليهم فقال: إنما نهيتم عن أكلها يوم السبت، فخذوها فيه، وكلوها في غيره من الأيام. فقالت ذلك طائفة منهم، وقالت طائفة: بل نهيتم عن أكلها وأخذها وصيدها يوم السبت. فكانوا كذلك، حتى جاءت الجمعة المقبلة، فغدت طائفة بأنفسها وأبنائها ونسائها، واعتزلت طائفة ذات اليمين وتنحت، واعتزلت طائفة ذات اليسار وسكتت. وقال الأيمنون: ويلكم، الله الله ننهاكم أن تتعرضوا لعقوبة الله. وقال الأيسرون: ( لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ) قال الأيمنون: ( مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) إن ينتهوا فهو أحب إلينا ألا يصابوا ولا يهلكوا، وإن لم ينتهوا فمعذرة إلى ربكم. فمضوا على الخطيئة، وقال الأيمنون: فقد فعلتم، يا أعداء الله. والله لا نبايتكم الليلة في مدينتكم، والله ما نراكم تصبحون حتى يصبحكم الله بخسف أو قذف أو بعض ما عنده مِن العذاب. فلما أصبحوا ضربوا عليهم الباب ونادوا، فلم يجابوا، فوضعوا سلمًا، وأعلوا سور المدينة رجلًا فالتفت إليهم فقال: أي عباد الله، قردة والله تعاوي، لها أذناب. قال: ففتحوا فدخلوا عليهم، فعرفت القرود أنسابها من الإنس، ولا تعرف الإنس أنسابها من القردة، فجعلت القرود يأتيها نسيبها مِن الإنس فتشم ثيابه وتبكي، فتقول: ألم ننهكم عن كذا؟ فتقول برأسها، أي نعم. ثم قرأ ابن عباس: ( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ) قال: فأرى الذين نهوا قد نجوا، ولا أرى الآخرين ذكروا، ونحن نرى أشياء ننكرها ولا نقول فيها شيئًا؟ قال: قلت: جعلني الله فداك، ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه؟ وخالفوهم وقالوا: ( لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ). قال: فأمر لي، فكسيت ثوبين غليظين" (عبد الرازق وابن كثير في التفسير) .
خاتمة:
- لا عذر لأحدٍ في ترك العمل بالدعوة إلى الله؛ لا سيما في هذا الزمان الذي تكالب فيه الأعداء، واشتدوا بوسائل إعلامهم الفاسد، لإفساد حياة المسلمين، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً ) (رواه البخاري) .
- الدعوة الميدانية لا تزال مفتوحة ووسائلها يسيرة: (البيوت والشوارع والتجمعات، والوظائف والمواصلات - و... وأنت أخي إما مدرسًا أو طالبًا، أو مهندسًا أو طبيبًا، أو عالمًا أو متعلمًا، أو سائقًا أو راكبًا رئيسًا أو مرؤوسًا).
فاللهم أهدنا واهدِ بنا، واجعلنا هداة مهتدين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وهذه الأهداف كالآتي:
الأول: تعبيد الخلق للخالق ودعوتهم إلى الله ( وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ).
الثاني: الإعذار إلى الله للنجاة مِن حساب ذلك في الآخرة ( قَالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ ).
الثالث: النجاة من عذاب الله الواقع بالعصاة في الدنيا ( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ).