ذكريات (2)
الشيخ ياسر برهامي • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد كانت مسألة التكفير بدرجاتها المختلفة -وإن أنكرَها مَن أنكرها- والصِّدام مع المجتمع والدولة، نقطة فاصلة لا تُحتَمل مع جماعة الإخوان وما تفرع عنها مِن جماعات العنف والصدام، ولقد كانت هذه المسألة قديمة في الإخوان؛ إلا أنها في عهد الأستاذ "حسن البنا" لم تكن قد تبلورت في صورتها التامة الصريحة التي ظهرت في كتابات الأستاذ "سيد قطب" و"محمد قطب"، وخاصة في كتاب: "معالم في الطريق" الذي كانت تعده جماعات الصِّدام -التي تسمي نفسها: "الجهاد"- محور التعليم والتربية في مجموعاتها الخاصة في المنازل، كما أخبرني بذلك أحد قادتهم الذين قابلناهم في عنبر (د) في سجن استقبال طُرَة سنة 2002م.
لكن كانت البذرة موجودة خاصة في سنوات "البنا" الأخيرة، وأوضح ذلك في رسالة المؤتمر الخامس التي كانت رسالة محورية تُدَرَّس لجميع الإخوان حيث قال: "يَتساءل كثيرٌ مِن الناس: هل في عزم الإخوان المسلمين أن يستخدموا القوة في تحقيق أغراضهم والوصول إلى غايتهم؟ وهل يفكر الإخوان المسلمون في إعداد ثورة عامة على النظام السياسي أو النظام الاجتماعي في مصر؟ ولا أريد أن أدع هؤلاء المتسائلين في حيرة؛ بل إنني أنتهز هذه الفرصة فأكشف اللثام عن الجواب السافر في هذا في وضوح وفي جلاء؛ فليسمع مَن يشاء: أما القوة فشعار الإسلام في كل نُظُمه وتشريعاته؛ فالإخوان المسلمون لا بد أن يكونوا أقوياء، ولا بد أن يعملوا في قوة، ولكنَّ الإخوان المسلمين أعمق فكرًا وأبعد نظرًا مِن أن تستهويهم سطحية الأعمال والأفكار... " إلى أن قال: "فهم يعلمون أن أول درجة مِن درجات القوة: قوة العقيدة والإيمان، ثم يلي ذلك قوة الوحدة والارتباط، ثم بعد ذلك قوة الساعد والسلاح؛ ولا يصح أن توصف جماعة بالقوة حتى تتوفر لها هذه المعاني... ".
وقال: "إن الإخوان المسلمين سيستخدمون القوة العملية حيث لا يجدي غيرها، وحيث يثقون أنهم قد استكملوا عُدة الإيمان والوحدة، وهم حين يستخدمون هذه القوة سيكونون شرفاء صُلَحاء، وسيُنذِرون أولًا وينتظرون بعد ذلك، ثم يُقدِمون في كرامة وعِزَّة، ويحتملون كل نتائج موقفهم هذا بكل رضاء وارتياح، وأما الثورة فلم يفكر الإخوان المسلمون فيها ولا يعتمدون عليها، ولا يُؤمِنون بنفعها ونتائجها، وإن كانوا يصارحون كل حكومة بمصر بأن الحال إذا دامت على هذا المنوال ولم يفكر أولو الأمر في إصلاح عاجل وعلاج سريع لهذه المشاكل؛ فسيؤدي ذلك حتمًا إلى ثورة ليستْ مِن عمل الإخوان المسلمين ولا مِن دعوتهم؛ ولكن مِن ضغط الظروف ومقتضيات الأحوال، وإهمال مرافق الإصلاح، وليست هذه المشاكل التي تتعقد بمرور الزمان ويستفحل أمرها بمضي الأيام إلا نذيرًا مِن هذه النذر؛ فليسرع المنقذون بالأعمال".
وقد تبلورت هذه الأفكار في عدة أعمالٍ، اعترف الإخوان المسلمون بعد ذلك بأن التنظيم الخاص هو الذي قام بها، مثل: اغتيال "الخازندار"، ثم اغتيال "النقراشي باشا" الذي كان القشة التي قصمت ظهر العلاقة بين الإخوان والدولة المصرية في ذلك الوقت، وأدَّى ذلك إلى حَلِّ الجماعة ثم اغتيال الأستاذ "حسن البنا".
ولقد ظهرت بذرة الصدام مع الدولة والمجتمع ظهورًا بَيِّنًا في بيان الأستاذ "حسن البنا": "رسالة القول الفصل" التي ختمها بـ: "يا حضرات السادة الحكام، لن ترضى هذه الجماعة لنفسها أن تدع لكم تقرير مصيرها، ولن تسمح لكم بأن تقلِبوا الحقائق، وتعتدوا على الحريات، وتُصادروا الأموال والممتلكات، وتظلموا الأبرياء بالباطل، وإنها لتُحَمِّلُكم أمام الرأي العام نتائج ما يحدث عن هذا العدوان، وعلى الباغي تدور الدوائر"، بعد أن سبق في رسالته التهديد للانتصار لما سَمَّاه: "رفع الظلم، والانفجار الذي نتج عن الضغط؛ فمَن كان مِن المعتدين عليه دافع عن نفسه، ومَن مات دون عِرضه فهو شهيد، ومَن مات دون ماله فهو شهيد، ومن مات دون دينه فهو شهيد".
ولا شك أن الاستدلال الخاطئ بهذا الحديث في دفع الشباب إلى مهلكة الفتن لا يزال يُستعمل إلى الآن.
ويُراجَع في ذلك كتاب المهندس "أحمد الشحات": "العنف الكامن والتكفير المستتر - دراسة حول موقف جماعة الإخوان من التكفير والعنف" وهو كتاب رائع.
ونحن في الحقيقة كان تعامُلُنا مع الجماعة ابتداءً مِن عهد التلمساني، الذي شهد سنوات مِن الاندماج بين مجموعة من الشباب سلفي المنهج أقنعهم أحد الأساتذة -الذي ظَنُّوه من أنصار السنة (م.ح.) وكان في حقيقة أمره من الإخوان- بأن الاندماج مع "الإخوان" خيرٌ للدعوة والدين، واشترطوا المحافَظة على "السلفية"، ووافق لهم "الإخوان" على ذلك!
والحمد لله لم أكن مِن هذه المجموعة؛ فلم أحتج يومًا لنقضِ بَيعةٍ كانت تمثِّل أزمةً نفسية هائلة لدى كل شباب الجماعة؛ لأنهم حملوها على المعنى السياسي للبيعة التي مَن خلعها خلع رِبقة الإسلام مِن عُنقه! إلى أن وَجد هؤلاء الشباب الحل في كَفَّارة اليمين -كما أفتاهم بذلك بعض العلماء السلفيين لما رأوا عدم الالتزام بشرط المحافظة على المنهج السلفي-؛ فخرجوا مِن الجماعة، وتَكَوَّنَت منهم ومِن غيرهم -الذين لم يدخلوا الإخوان- "المدرسة السلفية" سنة 79، كاتجاهٍ منفصلٍ عن "الإخوان" بعد أن كانت مدرسة "الجماعة الإسلامية" التي كانت لا تزال تحت عباءة "الإخوان" سِرًّا، لكن وَقَع الانفصال عَلَنًا سنة 79 بعد أحداث كلية الطب.
وكان النزاع مع "الإخوان" في هذه الأوقات ليس في مسائل التكفير والصِّدام؛ بل في مسائل عقدية: كضرورة التزام منهج السلف في الصفات، وتوحيد الألوهية وما يتعلق بقضايا القبور والغلو في الصالحين، وغيرها، وكذا مسائل القَدَر، والموقف مِن الشيعة الروافض، والتي كانت مِن أبرز الخلافات في المسائل العَقَدية عندما قامت ثورة "الخميني" في إيران، ووجدنا التسارع الأهوج والتأييد الأعمى لهذه الثورة الشيعية الذي وصل إلى اعتبار "الخميني" إمامًا للمسلمين!
وكذا كان الخلاف في مسائل عَمَليَّة: كسفر المرأة بدون مَحرم، والرسم والتماثيل، وقضية التعامل مع فقه الخلاف، ونحو ذلك.