شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

ذكريات (2)

الشيخ ياسر برهامي • السيرة والتاريخ

وكانت قضية العنف والتكفير محسومة، بل كان مِن ضمن ما يَدرسه طلاب المدرسة السلفية كتاب: "دعاة لا قضاة" للهضيبي -تأليفًا أو إقرارًا-.

وكان مِن ضمن التوافق: الرد على "جماعة التكفير" خاصة عند قتلها الشيخ "الذهبي" -رَحِمَهُ اللهُ-، وقد كان هذا في مرحلة ما قبل الانفصال، وقد خرجت المسيرة باسم: "الجماعة الإسلامية" مِن المعسكر الصيفي سنة 1977 من استاد الجامعة إلى شارع سعد زغلول، وميدان محطة الرمل؛ لاستنكار جريمة قتل الشيخ الذهبي، والطواف في وسائل المواصلات لتوضيح براءتنا مِن هذه الجماعة وهذه الجريمة لعموم الناس، ولقد شاركنا جميعًا -السلفيون والإخوان- داخل "الجماعة الإسلامية" في هذه الفاعليات، وكنتُ واحدًا ممَن شارك في المسيرة، وفي الطواف في وسائل المواصلات؛ للبراءة مِن فكر جماعة التكفير، وفعلتهم الشنيعة.

وكذا كان موقفنا واحدًا مِن جماعة "التوقف والتبيُّن" التي كان يقودها "عبد المجيد الشاذلي"، ولم أكن وقتها أعرف أنه مِن جماعة "سيد قطب" ومدرسته، بل كان السائد لدينا في أسرتي -وقد كان والدي واحدًا مِن جماعة الإخوان، وكذا عمي، رَحِمَهُمَا اللهُ، لكن دون بيعة- هو تبرئة الأستاذ "سيد قطب" مِن هذه الأفكار، وقراءة كل كتبه في إطار هذه التبرئة؛ خاصة أن الألفاظ لم تكن صريحة فيما قرأناه، وعَلِمت من عمي الدكتور برهامي -رَحِمَهُ اللهُ- أنه قد وقع الخلاف في المعتقل سنة 66 و67 بين معظم الجماعة وبين جماعة "سيد قطب" ومَن كانوا معه؛ وعندما حكيت له في الأحداث الأخيرة طريقة الإخوان في التخوين والحكم بالنفاق والتلويح بالتكفير على مَن خالفهم -وأنا على رأسهم-، وكذا محاولات ضرب الاستقرار والاقتصاد مثل: "عَطَّل عربيتك"، والمنع من الأضحية، و"وَقّع شبكة" -أي: الاتصال المستمر بالهواتف دون هدف إلا تعطيل الشبكة-، و"اِتفَسَّح بجنيه" -أي: الاستمرار في ركوب المترو طوال اليوم بنفس التذكرة بجنيه واحد؛ لإحداث السخط في الشعب على الزحام، وعدم توافر المواصلات-، وتشغيل كافة الأجهزة الكهربائية في المنازل؛ لتعطيل الكهرباء بزيادة الحمولة في الصيف، و"لِمّ الفَكَّة"، و"لِمّ الدولار"؛ لرفع سعره وإسقاط الاقتصاد، وكذلك محاولات تفجير أبراج الكهرباء - لما حكيتُ لعمي عن هذه الأمور قال: "إن هؤلاء يشبهون جماعة قطب التي كانت معنا في المعتقل، وحَذَّرَتْنا القيادة منها!".

فكان المستقِر عندنا -إلى أن حدثت الأحداث- أن الخلاف في المسائل الفكرية، ليس منها "قضية التكفير والعنف"، بل كان الذي يُقال لنا: إن كل القضايا التي نُسِبَت إلى الإخوان في 48 و54 و65 ملفقة ومكذوبة مِن قِبَل النظام! ولم يكن لدينا أي اطلاع على مدوناتٍ تاريخيةٍ مِن داخل الجماعة كالتي صدرت بعد ذلك، مثل: ("الإخوان المسلمون - أحداث صنعت التاريخ" للأستاذ محمود عبد الحليم - طبعة دار الدعوة)، و("حقيقة التنظيم الخاص" للأستاذ محمود الصباغ - تقديم الأستاذ مصطفى مشهور عضو التنظيم الخاص)؛ ولذا كان تَعَامُلنا العملي هو إمكانية التنسيق مع الجماعة والتعامل معها بالقدر المشترك، ومِن هنا كانت محاولات التنسيق في انتخابات مجلس الشعب الأولى في آخر 2011م حيث قمنا بزيارة لحزب "الحرية والعدالة" لمحاولة وضع ضوابط لعدم التنافس المذموم، ومحاولة ترك بعض الدوائر لمَن نراه مطلوبًا وجوده في مجلس الشعب القادم مِن الإخوان أو السلفيين؛ فكان جواب الدكتور مرسي -رئيس الحزب في ذلك الوقت-: " it is too late !"، لقد جئتم متأخرين جدًّا؛ لقد نَسَّقْنَا مع كل الأحزاب والقوى الليبرالية المتحالِفة معنا، ولا نستطيع أن نعدكم بشيء.

وأتذكر أنني سميتُ في وسط الحوار: المهندس "عبد المنعم الشحات"، في أهمية وجوده في المجلس لمصلحة الجميع؛ فكان الرد بالموافقة على ذلك بالتأكيد، وأنهم هم مَن سينتخبونه (وهذا للأسف حدث عكسه تمامًا، بل تحالفوا على إسقاطه، بل تم التزوير بالطرق الخَفِيَّة -التي لم نكن نعلمها- لإفشاله في انتخابات الإعادة).

وقلتُ للدكتور مرسي يومها: "فلا أقل على الاتفاق على ميثاقٍ أخلاقيٍ أثناء الانتخابات نلتزم به جميعًا؛ كان مِن أبرز بنوده: الإجماع على أن التزوير محرم شرعًا، وجريمة لا تجوز بحال ولا تأويل، كذلك تجنب التشويه للطرف المخالف وسرعة التواصل في حالة أي نزاع لإيقافه، لكن للأسف الشديد وجدنا نقضًا لهذا الميثاق الأخلاقي الذي نشرته جريدة الفتح، وجريدة الحرية والعدالة التزامًا مِن الطرفين بذلك!

وللأسف أيضًا: كانت اللجنة المُشَكَّلَة مِن "الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح" موجَّهة -بالتوجه الذي لم نكن نعلمه- للمسئول عنها -الدكتور "محمد يسري" الذي كان على ارتباط وثيق بالسروريين، ولم نكن نعلم ذلك- إلى التسوية بين الظالم والمظلوم في مخالفة هذا الميثاق! وكان هذا -بلا شك- مما زاد الفجوة بين الاتجاهين.

ثم كانت نتيجة الانتخابات بعد كل هذا، ورغم كل ما حدث، صَادِمَة للجميع؛ بحصول "حزب النور" ومَن تحالف معه مِن الاتجاهات الإسلامية -التي صح لي أن أقول: "لو استقبلنا مِن أمرنا ما استدبرنا لما قَبِلنا هذا التحالف الذي لم يَرعَ لنا حَقًّا، ولا عرف لنا جميلًا، ولا حتى تَوافُقًا فيما اتُّفِق عليه؛ بل كان عَونًا للإخوان علينا في كل المواقف تقريبًا، ثم عاد الكثيرون إلى منهجهم الأصلي، وكانت فترة العمل السياسي فترة مؤقتة لا حقيقة لها في التغيُّر- على 23% تقريبًا مِن مقاعد مجلس النواب التي مَثَّلَت ثاني أكبر كتلة برلمانية.

الصفحة السابقة الصفحة التالية