ردًّا على د."إبراهيم الزعفراني"... نموذج للتكفير المبطَّن عند الإخوان
الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد كتب الشيخ "ياسر برهامي" مقالًا يبيِّن فيه أننا كنا ننكر على "إخوان عمر التلمساني" تساهلهم في كثيرٍ مِن الأمور، ولكننا صدمنا بأن واقع الاخوان بعد "30-6" مليء بالتكفير والعنف!
وبالطبع نحن كنا نعلم -على سبيل الإجمال- كثيرًا مِن الجدل الدائر حول فكر التكفير في الإخوان في فترة الخمسينيات والستينيات، ولكننا كنا مَن باب حمل حال المسلم على أحسن محامله؛ نفترض أن تاريخهم في هاتين القضيتين قد أُسدل عليه الستار بتأليف كتاب: "دعاة لا قضاة"؛ إلا أن إعادة إنتاج خطاب التكفير والعنف بعد "30-6" قد نسف هذا التصور.
وقد انبرى غير واحدٍ للرد على الشيخ "ياسر برهامي"، منهم: د."إبراهيم الزعفراني"؛ الذي كتب منشورًا يؤكِّد فيه أن التكفير كان شيئًا عارضًا في تاريخ الإخوان، وأن بابه قد أُغلق بكتاب: "دعاة لا قضاة"، وأن مَن رفض مِن الإخوان الكتاب فُصل مِن الجماعة، وبالتالي فقد وجَّه خطابه للشيخ "ياسر برهامي" قائلًا: "فعليك يا د.ياسر برهامي تقديم البرهان على قولك: إن قيادات الإخوان يتبنون فكرًا تكفيريًّا مبطنًا ( قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) (البقرة:111) ".
وهذه إجابة مختصرة جدًّا على الدكتور "إبراهيم الزعفراني"، ولعلي أن أرد ردًّا تفصيليًّا لاحقًا -إن شاء الله-.
أولًا: ما المقصود باستبطان تكفير المجتمع؟
وسيتضح هذا بالمثال التالي فنقول: ما حكم مَن يَمنع الحجاب ويعاقِب عليه، ويمنع الصلاة ويعاقب مَن يصلي؟
هل يُتصور أن يفعل ذلك مسلم؟!
وبالتالي: فلو أن مدعيًا قال لك: إن فلانًا فعل هذا أو ينوي أن يفعله... ماذا تسمِّى ذلك؟!
وإذا كان فلان هذا بريء مِن تلك التهمة، فما الذي يحمل ذلك المدعي على أن يلصق به تهمة تجعل كل مَن يسمعه يقول عنه: "إنه كافر" بلا تردد؟!
وليس أمامنا إلا احتمالان:
الأول: أن هذا المدعي يكفِّر خصمه، ولكنه يكفره بمسوغاتٍ يَعلم أن السامع لا يعدها كفرًا، فيختلق هذا الكلام؛ ليصل إلى غايته مِن تقرير تكفير هذا الخصم عند السامع، وبالتالي يكون هذا المدعي تكفيريًّا، ولكنه يبطن أسباب التكفير ثم يدعي على مَن كفَّرهم بالبهتان أسبابًا ربما تجعل تكفيرهم محل اتفاق مِن القاصي والداني.
الثاني: وهو مبني على المبالغة في إحسان الظن بهذا المدعي، وهو أنه يريد مِن الناس أن تعامل خصمه معاملة الكفار حتى وإن كان هو يراه مسلمًا.
إذًا ففي المثال الذي ضربناه نواجه فكرًا تكفيريًّا مستبطنًا، وهو بذلك أشد خطرًا مِن "التكفير المعلن"؛ لأن صاحبه سيظل يدعي أنه بريء مِن التكفير؛ ولأنك ستعجز عن أن تجد قضية منهجية يمكنك أن تحاوره أو تناظره فيها.
طبعًا أظن أن الدكتور "إبراهيم الزعفراني" يعرف جيدًا أن هذا ليس مثالًا مِن نسج الخيال، بل هو قصة واقعية، وفرية افتراها قيادي إخواني في حق قيادي إخواني سابق أقدم التزامًا، وأعظم أثرًا في تاريخ الجماعة حتى قيل: إنه المؤسس الثاني لها، وهو الدكتور "عبد المنعم أبو الفتوح"؛ لمجرد أنه استقال مِن الجماعة، وتقدَّم لانتخابات الرئاسة.
وهذا موجود على الرابط التالي:
https://www.youtube.com/watch?v=Be1xw8WlGPQ
ثانيًا: مناقشة دعوى الأخطاء الفردية:
قد يقول قائل: إنه حدث فردي، فكيف أصدرتَ حكمًا عامًّا بناءً عليه؟!
في الواقع: إننا لم نصدر حكمًا عامًّا، ونقول: إن كل إخواني لا بد وأن يكون مستبطنًا لتكفير المخالفين، ولكن نقول: إن هذا سلوك اتبعته الجماعة كثيرًا، مع الأخذ في الاعتبار أننا لا نتحدث هنا عن قضيةٍ شخصيةٍ لنقول: غلبته نفسه، ولكن عن منهجٍ في نصرة جماعة الإخوان، وليس هذا هو الحيثية الأهم في تقييم درجة مسئولية الجماعة عن هذا الفعل، بل الحيثية القاطعة هو رد فعل الجماعة حينها:
هل فصلت هذا القيادي مِن الجماعة؟!
هل أجبرته على تقديم اعتذارٍ علني عن هذا الخلل الرهيب؟!
هل أصدرت بيانًا أن "عبد المنعم أبو الفتوح" له كامل الحرية في الاستقالة مِن الجماعة، ثم بعدها له كامل الحرية في عدم التقيد بقراراتها بعد أن لم يصبح فردًا فيها؟!
وعندما يكون الأمر على هذه الصورة فلا يمكن قط أن يُنسب هذا إلى أنه تصرف فردي، ومَن يريد أن يعرف أن هذا ليس تصرفًا فرديًّا؛ فعليه أن يرجع إلى أداء كل الفضائيات الإسلامية آنذاك للطعن في د."عبد المنعم أبو الفتوح" وفي "الدعوة السلفية" التي رأت أن اختيار مرشح غير منتمٍ تنظيميًّا "لا سيما لتنظيم حديدي مثل تنظيم الإخوان!" أقرب لنجاحه في إدارة الدولة (وهو ما أثبته الواقع لاحقًا).
لقد تناستْ هذه الفضائيات كل منافسي د."مرسي" لتتفرغ للإساءة لأبي الفتوح، وبصورةٍ أشد للدعوة السلفية؛ لأنها أيدته!
ثم عندما كانت الإعادة، وقرر د."أبو الفتوح" دعم د."مرسي" تحول في خطاب د."عصام العريان" إلى المجاهد الكبير (وإني لأتساءل: طالما أن الدكتور العريان كان يراه المجاهد الأكبر؛ فلماذا ترك عرض "بل ودين" ذلك المجاهد الكبير يُباع في سوق التمكين للجماعة الأم بثمن بخس؟!).
(أعلم أن الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح ومعظم مجموعة العمل التي عملتْ معه في الانتخابات، ومنهم الدكتور إبراهيم الزعفراني تضامنوا مع الإخوان بعد 30-6، وهذا التاريخ يمكن أن يتسامح فيه أي أحدٍ عن حقه الشخصي، لكن يبقى حق الأمة في التخلص مِن تلك الآفات قائمًا).
ومع هذا فكان السياق العام حتى ذلك الوقت يجبرك أن تتعامل مع حدثٍ في سياقه الفردي حتى جاءت "30-6"، وجاء معها: "مَن يرشنا بالمية نرشه بالدم!"، وجاء معها: "شرعنة السب والشتم!"، وجاء التصريح بالتكفير كما يفعله "وجدي غنيم"، وغيره، وجاء معها: "الدعوة لقتل الضباط والجنود!" كما يفعله مَن يعملون في قنوات الإخوان، إلى آخره.
ثالثًا: حيلة (ليسوا إخوانًا وليسوا مسلمين):
"ليسوا إخوانًا وليسوا مسلمين": شعار أطلقه الأستاذ "حسن البنا" عن بعض أفراد جماعته؛ ليبيِّن انحرافهم عن منهج الجماعة السلمي، ويبرِّئ الجماعة مِن تبعة أفعالهم.