شخصية المرأة المسلمة (2) علاقة المرأة المسلمة بنفسها
صوت السلف • المرأة والأسرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد تكلمنا في المرة السابقة عن "فضل الإسلام على المرأة"، وكيف أنه اعتنى بتكوين شخصيتها تكوينًا كاملًا شاملًا في كل جانب مِن جوانب شخصيتها الفردية والأسرية والاجتماعية؛ بحيث غدت إنسانًا راقيًا جديًر بالاستخلاف في الأرض.
وشرعنا في سلسلة: "تكوين المرأة المسلمة"، وبدأنا في هذه السلسلة بـ"علاقة المرأة المسلمة مع ربها"، واليوم نتكلم عن "علاقة المرأة المسلمة مع نفسها".
لقد حضَّ الإسلام المسلمين أن يكونوا شامة في الناس، متميزين في زيهم وهيئاتهم وتصرفاتهم ؛ ليكونوا قدوة حسنة تجعلهم جديرين بحمل رسالتهم العظمى للناس.
ففي حديث الصحابي الجليل "ابن الحنظلية" أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لأصحابه -وكانوا في سفر قادمين على إخوانهم-: ( إِنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ ، فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ وَأَصْلِحُوا لِبَاسَكُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ فِ ي النَّاسِ ، فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلاَ التَّفَحُّشَ ) ( رواه أبو داود بسندٍ حسن) .
وإذا كان الإسلام قد حضَّ المسلمين عامة على أن يكونوا شامة في الناس، فقد حض المرأة المسلمة بخاصة على أن تكون شامة بارزة ظاهرة، متميزة في شكلها ومظهرها وهيئتها ؛ لأن ذلك ينعكس على حياتها وحياة زوجها وبيتها وأولادها.
ومن هنا لا تهمل المرأة نفسها، ولا تغفل عن مظهرها الحسن النظيف في غمرة شواغل البيت وأعباء الأمومة، بل تحرص على أن تكون حسنة المظهر من غير سرف ولا مبالغة، وعنايتها بمظهرها الحسن تنبئ عن فهمها لشخصيتها، وتدل على ذوقها ودقة نظرتها لمهمتها في الحياة، وسلامة تصورها لشخصية المرأة المسلمة السوية التي لا ينفصل مظهرها عن مخبرها.
فالمرأة المسلمة الذكية هي التي توازن بين مظهرها ومخبرها، وتدرك أنها مكونة من جسم وعقل وروح، فتعطي لكل حقه، مستهدية في هذا التوازن بهدي الإسلام الحنيف.
فكيف تحقق المرأة المسلمة هذا التوازن بين جسمها وعقلها وروحها؟
1 - جسمها:
- معتدلة في طعامها وشرابها:
تحرص المرأة على أن تكون صحيحة البدن، قوية البنية نشيطة، غير مترهلة ولا ثقيلة الوزن؛ ولذا لا تُقبِل على الطعام بشره ونهم وإسراف، بل تصيب منه ما تقيم به صلبها ويحفظ عليها صحتها وقوتها، ولياقة جسمها، مستهدية بقول الله -تعالى-: ( وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) (الأعراف:31) ، وبقول رسول الله -صلى عليه وسلم-: ( مَا مَلأَ آدَمِ يٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلاَتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ ، فَإِنْ كَانَ لاَ مَحَالَةَ ؛ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ ) (رواه الترمذي ، وصححه الألباني) .
ولا ريب أن المرأة المسلمة بعيدة عن العادات الدخيلة على مجتمع الإسلام والمسلمين ، كالسهر الطويل في اللهو والعبث، فهي تنام مبكرة وتستيقظ مبكرة ؛ لتزاول نشاطها اليومي في حيوية، فلا يطفئ نشاطها سهر طويل، ولا تضعف قواها أعمال البيت؛ لأنها أخذت نفسها بنظام يمدها -دومًا- بالقوة والنشاط.
- نظيفة الجسم والثياب:
والمرأة المسلمة المهتدية بهدي دينها، نظيفة جدًّا في جسمها وثيابها، مستجيبة في ذلك لهدي النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي حثَّ على الاستحمام والتطيب، وخاصة يوم الجمعة: ( اغْتَسِلُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَاغْسِلُوا رُءُوسَكُمْ وَإِنْ لَمْ تَكُونُوا جُنُبًا، وَأَصِيبُوا مِنَ الطِّيبِ ) ( رواه البخاري ) .
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِ ي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا يَغْسِلُ فِيهِ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ ) ( رواه البخاري ) .
وتتعهد المرأة المسلمة فمها، فلا يشم منه أحد رائحة تؤذيه، وذلك بتنظيف أسنانها بحيث تغدو أنفاسها زكية معطرة، وقد كانت السيدة عائشة -رضي الله عنها- شديدة العناية بأسنانها كما جاءت بذلك الروايات الصحيحة في البخاري ومسلم، ففي "صحيح البخاري" عن مجاهد عن عروة -رضي الله عنه- قال: ( وَسَمِعْنَا اسْتِنَانَ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحُجْرَةِ... ).
- لا تنزلق إلى التبرج والإفراط في الزينة:
فهذه العناية بالمظهر لا تنزلق بالمرأة المسلمة الصادقة إلى التبرج وإبداء زينتها إلى غير زوجها ومحارمها، ولا تميل بها إلى المبالغة والإفراط بحيث تخرجها عن حد التوازن الذي أقام الإسلام عليه تشريعاته جميعًا، فالمرأة الداعية الصادقة لا يغيب عن بالها أن الإسلام الذي حض على الزينة الحلال ورغب فيها، هو هو الذي حذر مِن الإفراط والمبالغة فيها، بحيث تستعبد المرأة في هذه الحياة وتغدو شغلها الشاغل وهمها الدائم، وذلك في الحديث الشريف القائل: ( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ ، إِنْ أُعْطِيَ ؛ رَضِيَ ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ ؛ لَمْ يَرْضَ ) ( رواه البخاري ) .
2- عقلها:
- تتعهد عقلها بالعلم:
لا يغيب عن المرأة المسلمة الصادقة أن تتعهد عقلها بالعناية كما تعهدت جسمها؛ ذلك أن العناية بالعقل لا تقل أهمية عن العناية بالجسم، وقديمًا قال الشاعر زهير بن أبي سلمى:
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلم يبقَ إلا صـورة اللـحـم والـدم
والمرء بأصغريه: قلبه ولسانه -كما يقال-، أي: بعقله وتفكيره ومنطقه، ومِن هنا تبرز أهمية تثقيف العقل وتزويده بالمعارف النافعة وتنميته بالاطلاع على العلوم المتنوعة.
والمرأة المسلمة مكلفة كالرجل وعليها طلب العلم الذي ينفعها في دينها ودنياها، وهي إذ تقرأ قوله -تعالى-: ( وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا ) (طـه:114) ، وتسمع قول الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم-: ( طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ) (رواه ابن ماجه ، وصححه الألباني) ؛ فتدرك أن هدي القرآن والسنة يشمل الرجل والمرأة على حد سواء، وأنها تساوي الرجل في علوم فرض العين وعلوم فرض الكفاية منذ وجد العلم في المجتمع الإسلامي.
