الفساد (20)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
وقد شهدت هذه المرحلة مكسبًا دستوريًّا للمحليات في المادة 179 من دستور عام 2014م الأخير بالتأكيد على تطبيق اللامركزية، والمطالبة بسرعة إصدار قانون الإدارة المحلية الجديد، كما شهدت تكليفات رئاسية بإعادة رسم الحدود بين المحافظات وإدخال الظهير الصحراوي بها، وهي كلها أمور تمهِّد لإجراء انتخابات المجالس الشعبية المحلية للخروج من حالة الجمود الحالي.
ويبقى السؤال: بعد كل هذا التاريخ الطويل في تجربة الإدارة المحلية: لماذا لم تصل المحليات إلى النجاح والاستقرار المرجو منها؟!
لعل الإجابة عن هذا السؤال تتضح فيما سنذكره عن واقع الحكم المحلي في مصر:
ففي شروط العضوية في المجالس الشعبية المحلية: يشترط القانون 43 لسنة 1979م ولائحته التنفيذية فيمن يترشح لعضوية المجالس الشعبية المحلية فقط إجادة القراءة والكتابة، ولا يشترط الحصول على أي مؤهل دراسي أو علمي، رغم ما لهذه العضوية من اختصاصات كبيرة، خاصة ونحن نعيش في عصر المعلومات الذي يحتاج بلا شك لما هو أكبر من ذلك من المؤهلات.
وفي نظام الانتخاب: نجد أن عدد أعضاء المجلس المحلي للقرية ثابت في كل الوحدات المحلية على طول البلاد أيًّا كان عدد سكان القرية، وسكان القرى يتفاوتون من قرية بها أعداد قليلة مِن الآلاف مِن السكان وقرية بها عشرات أو مئات الألوف، بما يستلزم تفاوت أعضاء تلك المجالس بحسب نسبة السكان الذين يمثلونهم.
وفي تشكيل البلديات رغم أنها كانت في فترات كثيرة تشكِّل بالانتخاب؛ إلا أن قيادتها ممثلة وبشكل مباشر للسلطة المركزية، فرئيس مجلس المديرية هو مدير المديرية، وهو نفسه ممثل الداخلية، وفي المدن هو مأمور المركز الذي يمثِّل أيضًا وزارة الداخلية، وهذا يعني سيطرة السلطة المركزية على ثلث المجالس؛ مما يقلل مِن دورها الإداري والرقابي (راجع المصدر السابق، ص 10 -11) .
هيمنة العسكريين وأهل الثقة على المحليات:
شهدت فترة ما بعد ثورة 23 يوليو 1952م هيمنة رجال الثورة على أمور المحليات، فشغل موقع المحافظ في المحافظات رجال الثورة؛ إذ كانوا هم أهل الثقة -كما كان يطلق عليهم وقتها-، بينما شارك كثيرٌ مِن المدنيين في رئاسة المدن والقرى، ولكن كان اختيار هؤلاء المدنيين يخضع لمعيار الولاء للثورة وثقة رجالها فيهم! نعم شهدت تلك الفترة إنجازات كبيرة على مستوى المحافظات والمدن والقرى في كثيرٍ مِن المجالات، وفي البنية التحتية بمقاييس تلك الفترة، لكن عابها أن المشاركة المجتمعية لم تكن على المستوى المطلوب، أو تتم بأوامر من المحافظ، أي: تتصف بالهيمنة المركزية وسلطة العسكريين.
وما زالت الصفة الغالبة لهذا النهج مستمرة إلى الآن، فتشير الإحصائيات إلى أن منصب المحافظ يتم تعيين رجال القوات المسلحة والشرطة فيه بنحو 81 % مِن المحافظين، وباقي النسبة من المحافظين ما بين مستشارين وقضاة وأساتذة جامعات، بينما نسبة المدنيين قليلة، أما منصب سكرتير عام المحافظة فشغله نحو 88% من العسكريين، ونحو هذه النسبة في منصب السكرتير المساعد، أما رؤساء المدن والمراكز فنسبة العسكريين فيهم ما بين 70% إلى 80%.
وهذا النهج عيوبه أكثر من إيجابياته:
فأبناء المؤسسة العسكرية أبناء هيئة نظامية غير ديمقراطية في الأساس، وهذا ليس عيبًا فيها، فيجب أن يكون لقياداتها سلطة آمرة، وهذه القيادات مهما بلغ تميزها وكفاءتها في عملها في مؤسساتها العسكرية وقيامها بدورها العظيم فيها فلا يعني ذلك ضرورة تميزها في المجتمعات المحلية؛ إذ يختلف الوضع هناك كثيرًا، بل يحتاج إلى إعدادٍ يتناسب مع مهام وأعباء وطبيعة العمل المحلي، وما يتطلبه مِن تفاعل بين القيادات والسكان المحليين، والتوسع في مساحة الحوار والنقاش والتفاوض والإقناع، ولعل هذا كان وراء ظهور وصف: (اللي نازلين بالبراشوت) على الإدارة المحلية مِن خارجها.
"أضف إلى ذلك: عدم وجود برامج تدريبية مدروسة وقادرة على بناء القدرات للقيادات التنفيذية المحلية وفق منهجية واضحة تحقق لدى هذه القيادات الوعي الكامل بطبيعة المجتمعات المحلية وحركتها وتفاعلاتها، والتغيرات التي تطرأ عليها، والقوى الاجتماعية بها، والقوى الفاعلة في حركة المجتمع المحلي واقتصادياته، وكل ما يتعلق بهذه المجتمعات وتطلعاتها التنموية وكيفية التعامل معها" (راجع المصدر السابق، ص 14) .
ومِن سلبيات هذا النهج:
- قتل الطموح لدى المدنيين والعاملين في الإدارة المحلية.
- ضآلة فرص الترقي وشغل المواقع القيادية للعاملين في الوحدات المحلية بكل مستوياتها، وبالتالي فقد الدافع للإنجاز والابتكار والمبادرة.
- اختلاف المنابع الفكرية والتنظيمية لقيادات الإدارة المحلية يؤدي إلى اختلاف الرؤى، وبالتالي اختلاف نمط العمل وكيفية الممارسة للإدارة المحلية في المواقع المختلفة؛ إذ تختلف سياسة تلك القيادات بحسب الشخص والجهة التي جاء منها وعمل فيها، فضابط المدرعات يختلف عن ضابط الدفاع الجوي، وضابط الشرطة الذي يعمل في المرور يختلف عن الذي يعمل في مكافحة المخدرات، فلكل رؤيته وتعامله الذي ينعكس على أدائه وتعامله مع المجتمع المحلي، وهذا يؤدي إلى شخصنة العمل في المجتمعات المحلية، أي ارتباط العمل بشخص القيادة يتغير بتغيرها، ومع عدم استقرار تلك القيادات المحلية في مواقعها لفتراتٍ طويلةٍ -كما هو الحال عندنا-، فلا تكتمل الأعمال؛ لعدم استقرار القيادات في مواقعها المدة الكافية لاستكمال أعمالها التي بدأتها.
وهذا بدوره يترتب عليه:
- البطء في تنمية المجتمعات المحلية، وتفاقم المشكلات البيئية والخدمية؛ خاصة في القرى.
- ارتباط تقييم تلك القيادات المحلية بانطباع القيادات الأعلى عنها؛ فلا تقييم للأداء أو رصد للإنجاز، مع انعكاس الأقدمية في الهيئة النظامية على حركة الترقيات والتنقلات داخل الإدارة المحلية (راجع المصدر السابق، ص 12 -14) .