ذكريات (3)
الشيخ ياسر برهامي • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقبل أن نبدأ في الحلقة الثالثة مِن "ذكريات" أحب أن أوضِّح لقرائي الهدفَ مِن هذه المقالات.
أولًا: لا بد لأبناء الحركة الإسلامية -والسلفية بصفة خاصة- أن يتخلصوا مِن الضغط النفسي الذي يُمَثِّله الإعلام الإخواني والقطبي والسروري في الاتهام بالخيانة والنفاق، بل والكفر أحيانًا في كل موقفٍ يتخذونه مخالفًا لهم؛ مما يؤثِّر سلبًا على مشاركتهم الحقيقية الجادة في الإصلاح والدعوة إلى الله، والتربية والمشارَكة البَنَّاءة في كل صور العمل الإسلامي، بما في ذلك العمل السياسي الهادف؛ لتقليل الشر وتكثير الخير في أزمنة الغربة والفتنة، ولئلا تكون كل محطة عبارة عن أزمةٍ تحتاج إلى جهودٍ مضاعفةٍ لكي يعرف الناس طريقهم وعملهم.
وإن كان أبناء "الدعوة السلفية" قد تجاوز كثيرٌ منهم هذه العقبة إلا أن قطاعات أخرى لا تزال تعاني الأزمة؛ خاصة مع سكوت كثيرٍ مِن المشايخ، وتأييد بعضهم بلا إدراك للحقيقة لبعض رموز التيارات الإخوانية القطبية والسرورية، لمجرد أن أعلنوا الرغبة في تطبيق الشريعة، ورفع شعارات: "سنحيا كرامًا"، وشعارات: العزة، والاستعداد للشهادة والتضحية والجهاد، دون أن يكون لهذه الشعارات أي حقيقة في أرض الواقع!
ومَبنى هذا التخلص مِن الضغط النفسي: المعرفة الحقيقية -بالأدلة- لحقيقة مواقف المخالِفين لهم، فمِن الواضح: أن عامة أبناء الحركة الإسلامية لم يعودوا يتأثرون بتهم جماعات التكفير الصريح، كما أنهم لا يتأثرون بذمِّ الشيعة لهم، وكذا غلاة الصوفية؛ لأنهم نفضوا أيديهم مِن موقفهم.
أما أن يُحسب اتجاهٌ أو جماعة على أنها الممثِّلة الكبري لجماعات الدعوة وجماعات السُنَّة، وأنهم رجال المرحلة، ونحو ذلك؛ فهذا الذي لا يزال يؤثِّر على قطاعاتٍ كبيرةٍ لا تزال في غيبوبة العاطفة، وغشاوة التعتيم الإعلامي؛ فلا بد أن تُعرف حقيقة الجماعة وبالوقائع الدامغة التي لا ينبغي أن تُنسى؛ لينفض الناس أيديهم مِن مدحهم وذمهم؛ ولهذا خرجتْ أبواقٌ كثيرة تتكلم بنفس اللسان مهاجِمةً هذه الذكريات لتظل العَمَاية والخداع، مع سكوت مَن سكت، وتأييد مَن أيَّد، ويبقى مَن جَلَّى الحقيقة منفردًا في تلقي السهام والطعن في عِرضه ودينه مِن أهل البدع .
والحمد لله أن هذا بدأ في التغير.
ثانيًا: لا بد لأبناء الحركة الإسلامية أن يستفيدوا مِن التاريخ الصحيح -القديم والمعاصر- غير المُزَوَّر؛ فلا يزال غياب العقول عن الواقع في تقدير القوة والضعف، والقدرة والعجز، والمصلحة والمفسدة، مِن أكبر أسباب القرارات الكارثية في حياة الأمم والجماعات.
- وكم نصح الناصحون الخوارجَ بعدم الخروج، وسفك الدماء، والتكفير، ومع ذلك كان الوهم والخيال هو المحرِّك لهم؛ حتى ضرب ابن ملجم عَلِيًّا -رضي الله عنه- ضربة على رأسه يبتغي بها عند الله رضوانًا! يَقتُل خيرَ أهل الأرض، الخليفة الراشد ابن عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، المجاهد الثابت، وهو يريد بذلك أرفع درجات الجِنان!
- وكم نَصَح الصحابةُ الحسينَ -رضي الله عنه- بعدم الخروج -وخاصة للعراق-، ولكن سَبَق القَدَرُ وحَدَثت المصيبة العظيمة بقتل ابن بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، سيد شباب أهل الجنة هو وأهل بيته!
وكان الخطأ في تقدير الواقع هو السبب في ذلك، وإن كانت المسألة شرعية محل اجتهاد، لكنه مبنيٌّ على الواقع؛ أما إذا كان الموقف الشرعي مبنيًّا على بدعة ضلالة كمواقف الشيعة؛ كان الإثم والخراب هو الحاصل، وليس فقط مصيبة الدنيا مع أجر الاجتهاد.
- وكم نصح النعمانُ بن بشير -رضي الله عنه- ابنَ مطيع وأهلَ المدينة قبل "وقعة الحَرَّة"، وتوقع له أن يُركِض دابته فارًّا إلى مكة تاركًا هؤلاء المساكين يُقتلون على أبواب بيوتهم ومساجدهم وطرقاتهم؛ وقد كان، ووَقَعت المحنة العظيمة في المَقتَلَة الهائلة لأهل المدينة في وقعة الحَرَّة حتى انتُهِكت حرمات الصحابة والتابعين، وحرمات الرجال والنساء والأطفال، في الدماء والأعراض والأموال! وإنا لله وإنا إليه راجعون.
فدراسة التاريخ الصادق -لا المزوَّر الكاذب الذي يستغله أهل الضلال والبدع في تهييج العواطف أسوأ استغلال- مِن أعظم أسباب الحكمة، وإدراك ضوابط المصالح والمفاسد، والقدرة والعجز، ولا يصلح أن يَسكت مَن شَهِد الحقيقة عن الكلام، فيتكلم الكاذب أو الغائب أو الجاهل؛ فيستقر الزور على أنه الحقيقة!
ثالثًا: إن مسألة مراعاة المصالح والمفاسد مسألة شرعية عظيمة الأهمية، وإن كَرِه مَن كَرِه وسَخِر منها مَن سخر، وانحرف مَن انحرف حتى زعموا أن ما شرعه الله -عز وجل- مِن مراعاة المصالح والمفاسد صنم يُعبد مِن دون الله! لجهلهم بحقيقة العبادة، ومعنى المصلحة والمفسدة، بل وفي نفس الوقت الذي يَتصور فيه البعض فعل الكفر والنطق به مِن غير إكراهٍ أو خطأ، مصلحةً معتبرة؛ للخلل الذي لديه في معرفة معنى المصالح والمفاسد وموازناتها.
ومِن أكبر الأسباب لحسن التقدير الموافق للشرع ومعرفة كيف تُتَّخَذ القرارات بطريقة سُنِّيَّة سلفية علمية: دراسة التاريخ، ومعرفة كيف طَبَّق أهلُ العلم عبر الزمان هذه الموازانات -ابتداءً مِن عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين فمَن بعدهم إلى زماننا هذا-؛ لتستفيد الأجيال القادمة "بل والحالية" مِن هذه الدراسة.
وليس المقصود أن نتحسر على ما جرى أو نتباكى على مفقودٍ أو نتسلى بذكر الحكايات والحكايات المضادة، وخاصة المكذوبة والمغلوطة، والتي يحكيها مَن لا يَعلم، أو مَن يَعلم، لكنه لا يريد أن يَعلم الناسُ.
أما مَفسدة إثارة هذه الدراسة لبعض الناس فيسب ويشتم، ويلعن ويكفِّر ويَطعن؛ فهي مفسدة معلومة مِن قَبل، لم تتوقف مع السكوت، ولن تتغير مع الكلام؛ لأن منبعها سلوك وخلق صاحبها، وحال قلبه ولسانه؛ فلا يصح أن نترك المصلحة المتأكَّدة لدفع مثل هذا اللوم والذم مِن أهل الفساد، والذي هو حاصل حاصل.
نعود لما قصدنا مِن الذكريات...
كانت مِن أهم المسائل التي شهدت اختلافًا وافتراقًا بين السلفية والإخوان: الموقف مِن الشيعة الروافض، وجذور المسألة قديمة في سلوك حسن البنا -غفر الله له- في "الأصول العشرين" ثم المواقف العملية.