شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

ذكريات (3)

الشيخ ياسر برهامي • السيرة والتاريخ

فموقف أهل السُّنة واضح تمام الوضوح ممَن سَبَّ الصحابةَ وطَعَن فيهم -فضلًا عمن كَفَّرَهم-، كما قال "الطحاوي" في عقيدته: "ونبغض مَن يبغضهم وبغير الخير يذكرهم"، وكما نص شيخ الإسلام ابن تيمية في "العقيدة الواسطية" في بيان فضل الصحابة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم- خاصةً الخلفاء الراشدين وإثبات خلافتهم، وأن مَن طَعَن في خلافة أحدٍ منهم فهو أَضَلُّ مِن حِمار أهله، ثم بعد هذا التقرير لفضل الصحابة صَرَّح بالإمساك عما شَجَر بينهم مِن خلافٍ؛ لأن كثيرًا منه كَذِب، ومنه ما زِيْدَ فيه ونُقِص منه وغُيِّرَ عن وجهه، وما صَحَّ مِن ذلك فهم فيه معذورون بين مجتهدٍ مصيبٍ له أجران، ومجتهد مخطئ له أجر واحد.

وجاء الأستاذ "حسن البنا" في "الأصول العشرين" ليحاول تجاوز حقيقة الخلاف بين السُنَّة والشيعة بأن ينص على أن: "كل مسألة لا ينبني عليها عمل، فالخوض فيها مِن التكَلُّف الذي نُهِينا عنه شرعًا، ومِن ذلك: كثرة التفريعات للأحكام التي لم تقع، والخوض في معاني الآيات القرآنية الكريمة التي لم يصل إليها العلم، والكلام في المُفَاضَلَة بين الأصحاب -رضوان الله عليهم- وما شجر بينهم مِن خلافٍ، وكُلٌّ منهم له فضل صحبته وجزاء نيته، وفي التأويل مندوحة!".

فهذا التأصيل دون نَصٍّ على خلافة الأربعة الراشدين، وتفضيل أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما-، هو الذي فتح الباب للمواقف العملية التي اتخذها في الموقف مِن الشيعة، وأَثَّرَت في مواقف الجماعة عبر الزمان إلى وقتنا هذا؛ فحسن البنا قد قابل آية الله كاشاني في حجة سنة 48، وكان حسن البنا ضمن المشارِكين في دار التقريب بين المذاهب الإسلامية هو ومحمد تقي القُمِّي؛ حيث كانت مشاركتهم مدخلًا للعلاقات المستقبلية بين الطرفين، ولقد زار القمي المركز العام.

قال الأستاذ عمر التلمساني في كتابه: "ذكريات لا مذكرات" (طبعة دار الاعتصام، ص 249 -250): "وفي الأربعينيات على ما أذكر، كان السيد القمي وهو شيعي المذهب ينزل ضيفًا على الإخوان في المركز العام، ووقتها كان الإمام الشهيد يعمل جادًّا على التقريب بين المذاهب حتى لا يتخذ أعداء الإسلام الفرقة بين المذاهب منفذًا يعملون من خلاله على تمزيق الوحدة الإسلامية، وسألناه يومًا عن مدى الخلاف بين أهل السُنَّة والشيعة؛ فنهانا عن الدخول في مثل هذه المسائل الشائكة التي لا يليق بالمسلمين أن يشغلوا أنفسهم بها، والمسلمون على ما نرى مِن تنابذ يعمل أعداء الإسلام على إشعال ناره؛ قلنا لفضيلته: نحن لا نسأل عن هذا لتعصب أو توسيع لهوة الخلاف بين المسلمين، ولكن نسأل للعلم؛ لأن ما بين السنة والشيعة مذكور في مؤلفاتٍ لا حصر لها، وليس لدينا من سعة الوقت ما يمَكَّننَا من البحث في تلك المراجع. فقال رضوان الله عليه: اعلموا أن أهل السُنَّة والشيعة مسلمون تجمعهم كلمة: "لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله"، وهذا أصل العقيدة؛ والسُنَّة والشيعة فيه سواء وعلى التقاء، أما الخلاف بينهما فهو في أمورٍ مِن الممكن التقريب فيها بينهما!".

وقال الأستاذ سالم البهنساوي -أحد مفكري الإخوان المسلمين- في كتابه: "السُنَّة المفترى عليها": "منذ أن تكوَّنت جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية، والتي ساهم فيها الإمام البنا والإمام القمي، والتعاون قائم بين الإخوان المسلمين والشيعة، وقد أدَّى ذلك إلى زيارة الإمام نواب صفوي سنة 1945 للقاهرة... ثم قال: ولا غَرو في ذلك؛ فمناهج الجماعتين تؤدي إلى هذا التعاون!".

وقال الأستاذ عمر التلمساني -المرشد العام الثالث-: "وبَلَغ مِن حرص حسن البنا على توحيد كلمة المسلمين أنه كان يرمي إلى مؤتمر يجمع الفرق الإسلامية؛ لعل الله يهديهم إلى الإجماع على أمرٍ يَحُول بينهم وبين تكفير بعضهم، خاصَّةً وأن قرآننا واحد، وديننا واحد، ورسولنا واحد، وإلهنا واحد؛ ولقد استضاف لهذا الغرض الشيخ محمد القمي أحد كبار علماء الشيعة وزعمائهم في المركز العام فترة ليست بالقصيرة.

كما أنه مِن المعروف أن الإمام البنا قد قابل المرجع الشيعي آية الله كاشاني في الحج سنة 48، وحدث بينهما تفاهم يشير إليه أحد شخصيات الإخوان المسليمن اليوم وأحد تلامذة الإمام الشهيد الأستاذ عبد المتعال الجبري في كتابه: "لماذا اغتيل حسن البنا؟!"، ينقل عن روبير جاكسون قوله: ولو طال عمر هذا الرجل -يقصد حسن البنا-؛ لكان يمكن أن يتحقق الكثير لهذه البلاد، خاصة لو اتفق حسن البنا وآية الله كاشاني الزعيم الإيراني على أن يزيل الخلاف بين الشيعة والسُنَّة، وقد التقى الرجلان في الحجاز عام 48، ويبدو أنهما اتَّفَقا ووصلا إلى نقطة رئيسية لولا أن عوجِل حسن البنا بالاغتيال. ويعَلَّق الأستاذ الجبري قائلًا: لقد صَدَق روبير، وشَمَّ بحاسَّتِه السياسية جهد الإمام في التقريب بين المذاهب الإسلامية؛ فما له لو أدرك عن قربٍ دوره الضخم في هذا المجال مما لا يتسع لذكره المقال؟!".

ولقد كان لهذا التاريخ وهذه الطريقة أثرها في التفكير الإخواني في الأزمنة المختلفة ابتداءً مِن موقف الجماعة مِن الثورة الإيرانية، وقد كان التأييد الجارف هو السمة الواضحة لكل قيادات الجماعة في تأييد الخميني الذي عَزَّى فيه "محمد حامد أبو النصر" -المرشد الرابع- عند موته بقوله: "فقيد الإسلام الإمام الخميني!".

وموقف جماعة "حماس" مِن إيران عبر العقود التي ظهرت فيها، والمُبَالَغَة في الثناء على المواقف الإيرانية من القضية الفلسطينية لا يَخفى على متابِع.

ولقد كانت هذه المسألة مِن أكبر المسائل التي نخاف منها في مسألة انتخاب أي مرشح إخواني للرئاسة؛ ولذا شهدت جلساتنا للاستماع قبل تحديد الموقف في الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة مع الدكتور "مرسي" -وكان خيرت الشاطر حاضرًا- تَباحُثًا حول هذه المسألة، وأبدينا تَخَوُّفَنا الشديد مِن موقف الجماعة مِن الشيعة، وأنه لا يُحتمل أن يكون هو موقف مصر كدولة لو انتُخِب عضوٌ من "الإخوان" رئيسًا للبلاد؛ ولقد انبرى الدكتور مرسي يومها للهجوم على الشيعة، وأنه يُدرِك تمامًا خطرَهم وكُفرَهم، وأنه لا يمكن أن يكون له موقف مؤيد لهم أو أن يسمح لهم باختراق البلاد.

الصفحة السابقة الصفحة التالية