الفساد (21)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الفساد في المحليات (3-3)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فتزخر المحليات بالمشاكل والمظاهر السلبية، في ظل ضعف أداء المحليات وغياب اللامركزية في الإدارة، وزاد الأمر سوءًا أن آخر انتخابات محلية كانت في أبريل 2008م، أي أن هناك غيابًا للمجالس الشعبية المحلية تعدى السنوات العشر، وهي مدة "ارتفع فيها الفساد حيث بلغ حجمه وفقًا لأحدث التقارير الرسمية عام 2016م أكثر من 2 مليار و350 مليون جنيه، وارتفعت العشوائيات والفوضى في الأسواق وخطوط التنظيم، مع ارتفاع معدلات المخالفات التنظيمية بالتعدي على أراضي الدولة الفضاء أو الزراعية، والمصارف والترع، والنهر والشاطئ، وظاهرة المساكن المخالفة!
وشملت مظاهر الفساد: الخلل في إعمال قواعد أعمال وتنفيذ الموازنات، والإهمال والتلاعب في الإيرادات المحلية، وعقود الأعمال والتوريدات، كذلك تفاقم حجم سرقات المخازن والموجودات، وتعثرت المشروعات الخدمية، غير الرشاوى والاختلاسات وسرقة الأموال العامة، مع استمرار نهب ثروات المحليات في المحاجر والمناجم، وثروات ضخمة حتى الذهب الخام... وتؤكِّد التقارير الرسمية للجهاز المركزي للمحاسبات والرقابة الإدارية ارتفاع نسب الفساد بشكل مخيف رغم محاولة البعض إنكاره"، "ولعل القبض على محافظ المنوفية ونائبة محافظة الإسكندرية وسكرتير عام محافظة السويس، والتلبس بالجريمة أيضًا صوت وصورة لعددٍ كبيرٍ مِن رؤساء بعض المدن والأحياء، ورؤساء بعض الإدارات الهندسية ومساعديهم في المحافظات: الإسكندرية - السويس - القاهرة - سوهاج - أسيوط - الفيوم - إلخ، تكشف مدى تغلغل الفساد!".
"إن تطور المحليات في بلدنا ليس مرهونًا بشخص، بل بأطرافٍ متعددة: تنفيذية وتشريعية وشعبية" (راجع: المسكوت عنه في المحليات، للكاتب: عبد الحميد كمال - ط. سلسلة كتاب سواسية التي تصدرها جريدة سواسية - الكتاب السادس - ط. 2018 م، ص 120 -121 بتصرف يسير) . إن فساد المحليات إهدار مستمر لا يتوقف للموارد والقدرات في المحافظات، وإضرار جسيم بالتنمية في بلادنا والتنمية المستدامة فيها خاصة.
مشكلة الوزراء والمحافظين:
شهدت آخر 8 سنوات -أي بعد ثورة 25 يناير- تولي عشر وزراء متتاليين لوزارة التنمية المحلية، بمتوسط فترة عمل للوزير الواحد منهم لا تزيد عن 9 أشهر! فإذا كان لكل وزير أسلوبه في إدارة الوزارة، خاصة في غياب الرؤية السياسة الواضحة للوزارة، ومع الخضوع للمركزية الشديدة، يمكن بوضوح إدراك حجم المأساة، والنتائج التي ستسفر عنها (انظر: المصدر السابق، ص 119- 120 ) .
كما بلغت حركات تعيين المحافظين بعد مرور 58 عامًا على صدور قانون الإدارة المحلية عام 1960م حوالي 72 حركة تعيين محافظين، وبغض النظر عن استمرار بعض هؤلاء المحافظين في مناصبهم لعدة سنوات، فإن مدة متوسط عمل المحافظ منهم على ذلك لا تزيد عن 8 شهور، ومنهم مَن كانت فترة عمله أقل مِن ذلك بكثير!
أضف إلى ذلك:
أن حركة المحافظين تتم بالتعيين مِن قِبَل رئيس الجمهورية، وهي قاصرة على مؤسسات محددة: القوات المسلحة والشرطة والقضاء إلى جانب أعضاء هيئة التدريس العالي، وتعتمد على مبدأ الثقة والولاء، ومعظم هؤلاء لهم خبرات ثقافية وعملية بعيدة عن العمل بالمحليات، ولا شروط لتعيين المحافظين في قانون الإدارة المحلية، أي: يتم التعيين بلا معايير، وبلا سقف زمني أو مدة محددة، فالحركة تصدر حسب المزاج السياسي، وبلا دراية مسبقة بالمحليات، وغالب التعليمات للمحافظين بعد أداء اليمين تعليمات عامة لا تراعي خصوصية كل محافظة، وأولوياتها وهمومها.
وتبقى التساؤلات الحائرة: ما الأسباب الحقيقية لتعيين هذا المحافظ أو إبعاده؟ أين المحاسبة والمساءلة عن مدة عمل هذا المحافظ أو ذاك؟ أين دور الرقابة الشعبية في ذلك؟ بل أين دور السكان المحليين في اختيار محافظهم أو استبعاده؟ إنهم كغيرهم يسمعون حركة تعيين المحافظين عبر وسائل الإعلام، ويرون المحافظ القادم يهبط عليهم (بالبراشوت)، ثم يفاجئون باقتلاعه من بينهم، وكأن الأمر لا يتعلق بهم من قريبٍ أو بعيدٍ.
إن التجربة تثبت الحاجة إلى:
- إجراء الدورات حول العمل بالمحليات عامة، وتدريب المحافظين خاصة، لفهم تفاصيل العمل في المحليات وتحدياتها عامة، وأحوال كل محافظة على حدة خاصة.
- عدم الاكتفاء في تعيين الوزراء والمحافظين بتقارير وترشيحات الأجهزة الرقابية والسيادية، فقد أثبت الواقع أنها ليست الأفضل دائمًا.
- إلزام الوزراء والمحافظين بالإعلان عن برامج محددة وخطط، ورؤية للعمل، تكون محل قبول أولًا، ومحل تقييم ومتابعة للأداء ثانيًا.
- قيام قيادات الدولة السياسية والتنفيذية بزيارات ميدانية للمحافظات، وإجراء اللقاءات الشعبية، والاتصال بالجماهير ومحاورتهم، والتواصل مع قياداتها الشعبية في المناسبات المختلفة.
" إن اختيار المحافظين في بلادنا يحتاج إلى إعادة نظر ودراسة متأنية، حيث ثبت فشل تجربة التعيين، وأصبحت تجربة انتخابات المحافظين هي الأهم، والتي تتواكب مع المكسب الدستوري الذي حققه الشعب المصري في المادة 179 من الدستور؛ الذي أكَّد على الانتخاب "إن القانون ينظِّم شروط وطريقة تعيين أو انتخاب المحافظين... ويحدد اختصاصاتهم... وهو مكسب ديمقراطي يتناسب مع التوجه نحو اللامركزية والديمقراطية، وتحقيق ما نصبو إليه مِن أجل بناء الدولة الديمقراطية الحديثة؛ ولأن الشعب المصري يستحق حياة أفضل بعد كل تلك التضحيات" (المصدر السابق، ص 140 بتصرف) .
المحليات والمساكن الآيلة للسقوط:
كثرت حوادث انهيار العقارات؛ بسبب الغش أو مخالفة قواعد البناء وتراخيصه، وبلغ حجم مخالفات المباني أرقامًا مهولة، فقد تم بناء نحو 2.5 مليون عقار مخالف في فترة ما بعد ثورة 25 يناير وضعف هيبة الدولة، ويقدر عدد العقارات الآيلة للسقوط بنحو 318 ألف عقار تقريبًا، ولهذه المشكلة تداعيات خطيرة؛ لما يترتب عليها مِن تزايد حالات الموت والإصابات تحت الأنقاض، والمآسي الإنسانية المترتبة عليها، فضلًا عن الخسائر في العقارات والممتلكات والمدخرات؛ هذا إلى جانب العشوائيات المنتشرة في كثيرٍ مِن المحافظات.
(انظر المصدر السابق، ص 33-35) .