الفساد (21)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
التعديات على أراضي الدولة:
"كشفت التقارير الرسمية للجهاز المركزي للمحاسبات ومتابعة إزالة التعديات على أراضي الدولة عن مدى الفوضى والإهمال الذي مكَّن ما يسمى بـ"مافيا لصوص الأراضي" من السيطرة والتعدي على ما يزيد عن 3 مليون و377 ألف فدان مِن الأراضي الزراعية، وما يزيد عن 4.5 مليار مِن أراضي البناء، شملت كل محافظات مصر" (المصدر السابق، ص 77) .
"وغني عن البيان أنه رغم وجود مخططات للتنمية المحلية، ولكل محافظة على حدة ما يسمى بالمخطط العام والتفصيلي، فأنها ظلت حبرًا على ورق؛ بسبب الفساد والإفساد، حيث ظهرت العشوائيات فيما يزيد عن 1900 منطقة عشوائية دون أي تخطيط!" (المصدر السابق، ص 78) .
"أما عن التشريعات التي تنظم عملية استخدام الأراضي في مصر؛ فحدث ولا حرج حيث بلغ عددها إلى ما يقرب من 50 تشريعًا، بين الدستور والقانون، وقرارات رئيس مجلس الوزراء والقرارات الجمهورية، ونظرًا لتلك الغابة والترهل المؤسسي أو في الصلاحيات في موضوع استخدام الأراضي، فإن الأمر قد عكس نفسه على التأثير السلبي في التنمية بأراضي الدولة"، "فضلًا عن وجود ما يزيد عن 85% من الأراضي غير مسجلة؛ هذا غير الهدر المالي في المتحصلات في موارد الدولة، بالإضافة لهدر قيمة الوقت، وارتفاع تكاليف العقارات والمنشآت؛ كل ذلك أدَّى إلى تأخير ترتيب مصر في مؤشر (تسجيل الملكية) واستخدام الأراضي، حيث جاءت مصر في ذيل قائمة الدول بالترتيب رقم: (119)" (راجع المصدر السابق، ص 79 -80) .
المشاريع الإنتاجية والخدمية:
انتشرت في مصر في فترةٍ مِن الفترات الكثير مِن المشاريع الإنتاجية: الصناعية والزراعية، ومشاريع الخدمات التي ساهمت في تربية وتسمين الماشية، وإنتاج وتوزيع الصناعات الغذائية، إلى جانب بيع اللحوم والأسماك والدواجن، وكانت تلك المشاريع توفر السلع، وتقدم الخدمات بأسعار مناسبة، وكانت لها دورها الكبير في التنمية وتحقيق الأمن الغذائي في المحافظات، فساعدت على محاربة الغلاء والغش التجاري، ووفرت عشرات الآلاف من فرص العمل، تمشيًا مع سياسة الدولة وقتها.
ومع استجابة الحكومة إلى توجيهات صندوق النقد الدولي تم بيع هذه المشاريع تباعًا، تحت دعاوي أنها تخسر، أو الرغبة في إشراك القطاع الخاص والمواطنين في تملك تلك المشاريع تخفيفًا على الحكومة، وقد باعت الحكومة ما يزيد عن 2000 مشروعًا إنتاجيًّا وخدميًّا كانت تملكها المحليات، بلغ تقدير قيمتها المالية بما يزيد عن نصف مليار جنيه، ولم تعلن الحكومة عن قيمة تلك المبالغ التي تم تحصيلها، وفيما استخدمت، رغم أنها أموال مملوكة للشعب، وغياب الشفافية هنا يسمح بتوجيه أصابع الاتهام بالفساد والتقصير فيما يتعلق بكيفية ومحصلة بيع تلك المشاريع.
لقد ترتب على بيع مشاريع المحليات سلبيات كثيرة حيث عرَّض ذلك المواطنين لغلاء الأسعار والغش التجاري، ومكَّن القطاع الخاص مِن احتكار الإنتاج والتوزيع والبيع، مما زاد مِن الأعباء على المواطن البسيط؛ ولهذا عادت الأصوات لتطالب مِن جديد بتوفير مشاريع إنتاجية وخدمية، وهو ما ظهرت بوادر تطبيقه.
إن استقرار الأوضاع الاجتماعية وتوفير فرص العمل للشباب وتوفير السلع والخدمات بأسعار مناسبة وتحقيق التنمية الحقيقية: صناعية وزراعية وإنتاجية مِن أجل رفع المعاناة عن المواطنين في المحليات يستلزم القيام بدراسات واقعية حول تجربة مشاريع المحليات، ووضع خطط مناسبة للمتابعة والمحاسبة، حتى يتم معالجة أوجه القصور والفساد، وتجنب تكرار الأخطاء، وبالتالي تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب المالية والاقتصادية والتخفيف عن المواطنين (راجع المصدر السابق، ص 61 -65) .
البحيرات والثروة السمكية:
لا شك أن توفير الأسماك يحقق قدرًا مِن الأمن الغذائي، حيث تعد الأسماك بديلًا مناسبًا للحوم الحمراء والبيضاء، ومعلوم أن مصر تملك عددًا كبيرًا مِن البحيرات الطبيعية المالحة والعذبة، إلى جانب نهر النيل، والبحر الأبيض المتوسط الذي تطل عليه بعض المحافظات في شمال البلاد، والبحر الأحمر الذي تطل عليه بعض المحافظات في الجنوب الشرقي للبلاد، وكل ذلك يسمح بكل تأكيد بتوفير فرص كبيرة جدًّا للعمل في مجال الصيد وصناعاته، وبالتالي دعم الاقتصاد المصري، خاصة عند الاتجاه إلى التصدير بعد تحقيق الاكتفاء الذاتي، ولكن الواقع والمؤشرات تخالف ذلك تمامًا: فهناك انخفاض حاد في الإنتاج السمكي في مصر، ترتب عليه ارتفاع أسعار الأسماك، والتوسع في استيراد الأسماك من الخارج نتيجة الفجوة بين العرض والطلب، بل ودخول معلبات مجهولة المصدر للبلاد، وتهريب للأسماك المصرية للخارج!
ويرجع ذلك إلى فساد وإهمال؛ مِن أسبابه:
- حجم التعديات الكبير على البحيرات بالردم والتجفيف، والمتاجرة في أراضيها مِن كبار مافيا الأراضي، فعلى سبيل المثال: بحيرة البرلس أصبحت مساحتها 103 ألف فدان بعد أن كانت مساحتها 165 ألف فدان، وانخفضت بحيرة إدكو إلى 5 آلاف فدان بعد أن كانت 35 ألف فدان.
- ارتفاع نسب تلوث تلك البحيرات بالصرف الصحي والصرف الزراعي والصناعي، وبصورة متزايدة.
- الأوضاع الاجتماعية القاسية التي تواجه الصيادين، مِن غياب مظلة التأمين الصحي والتأمينات الاجتماعية، وافتقاد التدريب والتحديث لهذا القطاع، إلى جانب اختفاء دور التعاونيات في عمليات الإنتاج السمكي، وعدم توفر مستلزمات الإنتاج.
- غياب دور الأسطول المصري للصيد.
- حاجة البحيرات والمسطحات المائية الشديدة للتطهير، والإهمال والتقصير الشديد في القيام بهذا التطهير مع شدة الحاجة إليه.
والأعجب من ذلك:
- اتجاه الحكومة حديثًا إلى إقامة مزارع سمكية جديدة تتكلف المليارات من الجنيهات.
- توجه الصيادين المصريين بمراكبهم إلى أعالي البحار، جنوبًا: إلى سواحل اليمن والسودان وأريتريا، وشمالًا: إلى سواحل ليبيا وتونس، وما صاحب ذلك مِن مشاكل تتعلق باحتجاز مراكب وسفن مصرية، والقبض على -وسجن- صيادين مصريين؛ بسبب تلك المغامرات للبحث عن الرزق، وما يقع خلالها من مخالفات وانتهاكات، وهي حوادث تتسبب في مشاكل سياسية أحيانًا مع تلك الدول.