شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (22)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

هل الديمقراطية ديمقراطية؟ (1-3)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالدولة الأوروبية المدنية الحديثة دولة علمانية ديمقراطية قومية، تقوم على فصل الدين عن الدولة، وحكم الشعب نفسه بنفسه لنفسه، مع النظرة القائمة على الوطنية والقومية.

وهذه المفاهيم للدولة الحديثة في أوروبا هي نتاج لرفض ما عانى منه الأوروبيون في العصور الوسطى -عصور التخلف والاستبداد عندهم- مِن:

1- الاستبداد الديني المتمثل في تسلط الكنيسة التي حرفت النصرانية، وحولتها إلى صكوك غفران وعقوبات بالحرمان، وتعاليم مفروضة يمتلكها البابا ورجال الكنيسة، وأعطت الكنيسة لنفسها حق معاقبة كل مَن يخالف تعاليمها المحرفة مِن خلال محاكم تفتيش تمادت في التعذيب والتنكيل والقتل، بما يعجز اللسان عن وصف بشاعته، وترتجف القلوب والأبدان عند سماع تفاصيله، وحاربت العلم والعلماء فضلًا عن غيرهم، فتسلطت الكنيسة على العباد تحليلًا وتحريمًا، متهمة كل مَن يخالفها في رأي أو معتقد بالهرطقة والتجديف، فجعلوا أنفسهم أربابًا مع الله -تعالى-، وهو ما جاء القرآن الكريم ببيانه والتنبيه إليه، منذ قرونٍ طويلةٍ، قال -تعالى- في شأنهم: ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) (التوبة:13) ، وفي الحديث قوله -صلى الله عليه وسلم- لعدي بن حاتم وكان نصرانيًّا فأسلم: ( أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللهُ فَتُحَرِّمُونَهُ؟ وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ؟ ) قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: ( فَتِلْكَ عِبَادَتُهُم ْ) (رواه الطبراني، وصححه الألباني) ، وهو دينهم الذي ما زالوا عليه، وإن تفاوتت درجة عبادتهم.

2- الاستبداد السياسي المتمثل في تسلط قلةٍ مِن الأباطرة والملوك مِن أسر تتوارث حكمًا مطلقًا يتحكمون به في رقاب العباد، بمباركة البابا والكنيسة؛ لا يملك أحدٌ أن يراجعهم فيه.

3- الاستبداد الإقطاعي الذي تمثَّل في سيطرة الإقطاعيين وهم قلة مِن الأمراء والنبلاء وكبار رجال الدولة والأغنياء على الأراضي الزراعية ومَن عليها؛ إذ إن الغالبية كانت معدومة وبمنزلة العبيد، لا يتمتعون بأي حقوق، ليس أمامهم إلا الطاعة والانقياد والتعب والشقاء في مقابل الفتات.

جاءت الثورة الصناعية في أوروبا، وظهرت نهضة علمية وفكرية متأثرة بالتقدم العلمي للكبير للحضارة الإسلامية المزدهرة وقتها، لتحمل أوروبا إلى عالمٍ جديدٍ، ثم جاءت الثورة الفرنسية والتطورات الكبيرة بعدها لتحمل أوروبا إلى استبعاد دور الدين في تسيير أمور المجتمع، وتقضي على الحكم المطلق للملوك والأباطرة، وتفتح الباب للحريات في كل المجالات، من خلال العلمانية المادية والديمقراطية السياسية، في إطار قومي.

العودة إلى الجذور اليونانية:

عندما سعت أوروبا للنهضة تمثلت ما كانت عليه الحضارة الرومانية القديمة المادية، مِن خلال فكر فلاسفتها القدامى، لتجدده في صورة جديدة، وقد أعماها الصراع الديني مع المسلمين عن الاهتداء إلى الإسلام -الدين الحق- بعد نبذها للكنيسة المحرفة، وأبعدها الحقد الدفين عن الأخذ بما كانت عليه المجتمعات الإسلامية من حرية في التملك والتنقل، والرأي والفكر بدرجة سمحت بالاختلاف والتعدد، سواء تعدد الفرق في مسائل الاعتقاد، أو تعدد المدارس في الفقه، بشكلٍ باهرٍ لا تخطئه العين، لم تكن تعرفه أوروبا ولا تحلم به في ظل ما عانت مِن استبداد، هذا رغم تعدد صور الاحتكاك والتعامل مع المسلمين خلال الحروب الصليبية المتتالية، والتبادل التجاري، وتلقي العلم على أيدي العلماء المسلمين في شتى فروع العلم، خاصة في الأندلس، وفي شرق أوروبا وجنوبها.

ما المراد بالديمقراطية؟

هي أن يحكم الشعب نفسه بنفسه، فيتخذ قراراته فيما يتعلق بشئونه مِن خلال ما تذهب إليه الأغلبية، بعيدًا عن استبداد فئة أو قلة أو فرد بشئون الحكم، وقد عرَّفها (مونتسكيو) بأنها: "حينما يكون الشعب في مجموعه السلطة السيادية العليا"، ويعرف (مارسيل بريلو) النظام الديمقراطي بأنه: "هو ذلك النظام الذي يحقق مشاركة غالبية الشعب فينشئون السلطة العليا على نحو فعال وحقيقي بحيث تكون للشعب الكلمة العليا"، بينما عرَّفها الرئيس الأمريكي (إبراهام لنكولن) عام 1863م بأنها: "هي حكم حكومة الشعب بواسطة الشعب لأجل الشعب" (انظر: "الديموكتاتورية ومدى ديمقراطية الديمقراطية: دراسة سياسية"، تأليف د. علي الباز أستاذ القانون العام - ط. دار السفير المنشية، ط. أولى 2014 م - 1435 هـ، ص 27) .

الديمقراطية القديمة يونانية الأصل:

تُنسب الديمقراطية القديمة إلى الإغريق، وعندهم مصطلح الديمقراطية يتكون مِن مقطعين (ديموس): وتعني الشعب، و(كراتوس): وتعنى حكم، فيكون معناها: حكم الشعب.

وقد ظهر هذا المصطلح في القرن الخامس قبل الميلاد؛ إذ كان الشعب في المدن -خاصة أثينا- يحكم نفسه بنفسه مباشرة، مِن خلال أفراد يتمتعون بصفة (المواطنة) يجتمعون للبت في أمورهم مباشرة، فيما يُعرف باسم: (جمعية الشعب)، وقد كان مِن شروط هؤلاء المواطنين عندهم: أن يكون مِن الأثينيين لا مِن الأجانب، ومن الأحرار لا من الأرقاء، ومن الذكور لا من الإناث، وأن لا يقل عمره عن عشرين سنة.

هل كانت الديمقراطية الأثينية ديمقراطية؟

الصفحة التالية