شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (22)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

إذا كانت الديمقراطية هي مشاركة الشعب والأخذ برأي الأغلبية، فهذا لم يكن متوفرًا في ديمقراطية أثينا، قال د."علي الباز" الأستاذ في القانون العام: "ولم يكن يتجاوز عدد المواطنين -بالشروط السابقة- عشرين ألفًا، أي 10 % مِن سكان المدينة، أما الأغلبية الساحقة في المدينة فكانوا من الأجانب، ومن العبيد الأرقاء، والعجيب: أن أرسطو كان يرى أن نظام الرق كان شرطًا ضروريًّا لقيام تلك الديمقراطية المباشرة! حتى يتيح للمواطنين الوقت الكافي لمزاولة واجبهم الديمقراطي في جمعية الشعب. وإذا كانت الديمقراطية الأثينية بهذه الصورة التي يتحكم فيها القلة في الكثرة، فإنها إذًا لم تكن حكمًا للشعب ولا لأغلبية الشعب، كما أنها كانت ديمقراطية جوفاء لا حرية فيها، إلا الحرية السياسية للمواطنين، أما الحريات الفردية كالحرية الشخصية وحرية التملك، إلخ، فلم تكن موجودة، لا للمواطنين ولا لغير المواطنين، وسلطة الدولة كانت مطلقة" (راجع: "الديموكتاتورية ومدى ديمقراطية الديمقراطية: دراسة سياسية"، تأليف د.علي الباز، ص 39) .

الديمقراطية الغربية:

يمكن اعتبار قيام الثورة الفرنسية عام 1789م بداية الديمقراطية الغربية، حيث صاحب ذلك الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان، وتضمنت الدساتير الفرنسية بعد الثورة العديد مِن المبادئ المرتبطة بالديمقراطية، والتي انتقلت منها إلى غيرها من الدول الأخرى.

ويذهب بعض الباحثين أن انتشار الديمقراطية في العالم تم على أربع موجات:

الأولى: في أعقاب الثورتين: الفرنسية والأمريكية، وصاحبها بداية التحول للديمقراطية في أوروبا في معظم القرن التاسع عشر الميلادي، وأول عقدين في القرن العشرين، وكان محصلتها نحو 29 دولة ديمقراطية.

الثانية: بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وانتصار الحلفاء، والتي شهدت إعادة انتشار الديمقراطية في غرب أوروبا واليابان والهند، وبعض الدول المستقلة حديثًا، وبلغت ذروتها مع مطلع الستينيات، وبلغ فيها عدد الدول الديمقراطية 36 دولة.

الثالثة: في أوائل السبعينيات وحتى عام 1990م، التي شهدت ثورة للديمقراطية شملت ما لا يقل عن ثلاثين دولة، منها دول في جنوب أوروبا وأسبانيا والبرتغال، ودول في أمريكا الوسطى والجنوبية، والكثير من الدول الإفريقية.

الرابعة: بعد عام 1990م وفي أوائل القرن الحادي والعشرين، الذي شهدت أخذ العديد من دول أوروبا الشرقية بالديمقراطية، مثل: سلوفاكيا وكرواتيا وصربيا وأوكرانيا.

وقد تخلل ذلك موجتان من الردة عن الديمقراطية:

الأولى: مع وصول موسوليني للسلطة في إيطاليا عام 1922م، وفيها تقلص عدد الدول الديمقراطية في العالم من 29 دولة إلى 12 دولة بحلول عام 1942م.

الثانية: في الفترة بين عام 1960م وعام 1975م، وفيها تقلص العدد من 36 دولة إلى 30 دولة.

وتختلف الديمقراطية الغربية عن الديمقراطية القديمة في أمر مهم، هو ارتباط الديمقراطية الغربية باحترام وكفالة حقوق وحريات الأفراد، وهو ما لم تشترطه الديمقراطية القديمة في أثينا، فالديمقراطية في العصر الحديث مذهب سياسي فلسفي ظهر في كتابات الفلاسفة والمفكرين، مثل: (جون لوك) في إنجلترا، و(جان جاك روسو) في كتابه: (العقد الاجتماعي)، و(مونتسكيو) في فرنسا في كتابه: (روح القوانين)، يقوم على محاربة الحكم الاستبدادي المطلق الذي كان سائدًا في أوروبا وقتها، خاصة في فرنسا وإنجلترا.

قال د. علي الباز: "وقد قال: (جون لوك) في القرن السابع عشر بأنه ليس من حق الملك أن يزعم أن سلطانه مستمد من الله؛ إذ هو مستمد مِن الشعب، ويلزم مِن ذلك: أن يكون سلطانه نسبيًّا وليس سلطانًا مطلقًا، كما قال (لوك): إن الفوضى ليست البديل الوحيد للاستبداد، فهناك الحكم الدستوري المقيد الذي يمنع الفوضى والاستبداد معًا، وأن المواطنين يتنازلون عن جزءٍ مِن حريتهم للحكام مِن أجل حفظ الأمن ورعاية المصالح المشتركة في إطار ديمقراطي، وأن هذا التنازل عن بعض الحريات الفردية للسلطة مقيد بعقدٍ متفق عليه بين المواطنين والحكام، أن شرعية الحكام ليس لها مكان إذ لم يوجد مثل هذا العقد. وقد أثرت أفكار لوك على القادة الأمريكيين: مثل: (توماس جيفرسون: 1743م - 1826 م) ثالث رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية، والذي كان له دور في الثورة الأمريكية ضد التاج البريطاني في عام 1776م.

ففكرة العقد الاجتماعي كان لها الأثر الكبير في الانتقال للنظام الديمقراطي، تلك الفكرة الموغلة في القدم، والتي تطورت وظهرت بمفهومها الحديث في كتابات القرنين: السابع عشر والثامن عشر، خاصة في كتابات (توماس هوبز) و(جون لوك) و(جان جاك روسو) وغيرهم، ونتيجة لكتاباتهم سادت نظرية العقد الاجتماعي، ونجحت في أن تؤثر تأثيرًا بالغًا في كلٍّ مِن انجلترا وفرنسا وأمريكا، فتطورت النظم الديمقراطية في هذه الدول وغيرها، وتحول هذا المذهب الفلسفي إلى واقع، ودخل مرحلة التطبيق كنظام للحكم في كلٍّ مِن أمريكا في دستورها الاتحادي 1787م، وفي فرنسا بعد ثورتها 1789م، وفي إنجلترا في ثورتها على الملكية المطلقة فيها" (راجع: الديموكتاتورية، ص25 - 26) ، و"الديمقراطية وإن كانت تعني حكم غالبية الشعب فإنها تعني أيضًا: حق المعارضة -وهي الأقلية- وشرعيتها كذلك، فللقلة حق المعارضة، وعلى حكم الأغلبية أن يحترم رأي القلة، وأن يوفِّر لها السبل إلى تكوين الهيئات والأحزاب التي تعبِّر بها عن رأيها، وكذلك أن يحترم ويصون حريتها في التعبير، واحترام هذه الحريات تأتي تجسيدًا لفلسفة الديمقراطية التي تكمن في الحقوق الطبيعية للأفراد، فالديمقراطية مذهب فردي نشا منذ بدايته لكي يعلي مِن قيمة الفرد، ويسعى إلى تحقيق أكبر قدر من المزايا له، وصيانة حقوقه وحرياته، وأن الفرد هو غاية الجماعة" (المصدر السابق، ص 31 بتصرف) .

صور الديمقراطية:

للديمقراطية ثلاث صور:

1- الديمقراطية المباشرة:

الصفحة السابقة الصفحة التالية