شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الثبات (14)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

عوامل الثبات (10) تذكر نعيم الجنة وعذاب الآخرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- هذا آخر عوامل الثبات، وأهمها وأعظمها على الإطلاق؛ لأنه الذي حوله تدور العبادة: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لرجل: ( مَا تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ؟ ) قَالَ: أَتَشَهَّدُ، ثُمَّ أَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ، وَأَعُوذُ بِهِ مِنَ النَّارِ، أَمَا وَاللَّهِ مَا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ، وَلَا دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ، فَقَالَ: ( حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) .

وفي حديث الملائكة السيارة يقول الله -عز وجل- لهم: (فَمَا يَسْأَلُونِي؟ قَالَ: يَسْأَلُونَكَ الجَنَّةَ. قَالَ: يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لاَ وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا. قَالَ: يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا، وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا، وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً، قَالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ قَالَ: يَقُولُونَ: مِنَ النَّارِ. قَالَ: يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لاَ وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا. قَالَ: يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا، وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً قَالَ: فَيَقُولُ: فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ) (متفق عليه) .

- وهذا هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- في تثبيت أصحابه: كان يقول -صلى الله عليه وسلم- لآل ياسر: ( صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ، فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ ) (رواه الحاكم، وصححه الألباني) ، ويقول: ( لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلبَكَيْتُمْ كَثِيرًا ) (متفق عليه) .

(1) وجوه التثبيت في تذكر عذاب النار:

الإشارة إلى أن وجوه التثبيت أكثر مِن ذلك، وهذا القليل كفيل بتثبيت العاقل مِن باب: ماذا تساوى الدنيا إذا كانت الآخرة على هذا النحو مِن الآلام والأحزان؟! فأحرى به أن يثبت على دين الله لينجو مِن هذا العذاب، والعاقل لا يجمع على نفسه ألم الدنيا والآخرة.

أ- النار هي الدار التي جعلها الله للكافرين والفاجرين، المتمردين على شرعه، وهي الخزي الأكبر، والخسران المبين: قال -تعالى-: ( رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ) (آل عمران:192) ، وقال: ( قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) (الزمر:15) ، وقال: ( إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا . لِلطَّاغِينَ مَآبًا . لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا . لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا . إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا . جَزَاءً وِفَاقًا ) (النبأ:21-26) .

ب- لا مقارنة بين نوع آلام الابتلاء في الدنيا مع الثبات على الدين، ونوع آلام عذاب الأخرة: -قال تعالى-: ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ ) (العنكبوت:10) ، وقال: ( سَأُصْلِيهِ سَقَرَ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ . لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ . لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ ) (المدثر:26-29) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( نَارُكُمْ هَذِهِ الَّتِي يُوقِدُ ابْنُ آدَمَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ، قَالُوا: وَاللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهَا مِثْلُ حَرِّهَا ) (متفق عليه) .

ج- أهل النار يعيشون أسوأ حياة... فعذابهم طويل مقيم، وآلامهم لا تتوقف، وبكاؤهم لا ينقطع، حالهم الندم والحسرة، كلامهم الصراخ والعويل والدعاء على أنفسهم بالويل والثبور: قال -تعالى-: ( إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ) (الفرقان:66) ، وقال: ( وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ) (يونس:54) ، وقال -تعالى-: ( وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُّقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا . لَّا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا ) (الفرقان:13-14) ، وقال: ( وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ ) (فاطر:37) ، ( وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ) (الملك:10) ، ( وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ ) (الزخرف:77) ، ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ . عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ . تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً . تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ . لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ . لَّا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِن جُوعٍ ) (الغاشية:2-7) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ أَهْلَ النَّارِ لَيَبْكُونَ، حَتَّى لَوْ أُجْرِيَتِ السُّفُنُ فِي دُمُوعِهِمْ لَجَرَتْ، وَإِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ الدَّمَ ) (رواه الحاكم وابن ماجه، وحسنه الألباني) .

- الثابتون فهموا القضية، فهانت عليهم الدنيا وبلاؤها؛ لاستحضار ما هو أشد في الآخرة، فشعارهم: ( رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ) (الفرقان:65) ، ومِن أمثلتهم: بلال بن رباح ومصعب بن عمير -رضي الله عنهما-.

(2) وجوه التثبيت في تذكر نعيم الجنة:

الصفحة التالية