شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (23)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

هل الديمقراطية ديمقراطية؟ (2-3)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد صاحب ظهور الديمقراطية الأخذ بالعديد مِن المبادئ المتعلقة بإشراك الشعب في توجيه أمور الحكم، ومنع الاستبداد بأنواعه، وإقرار الحقوق والحريات، وهو ما تضمنته الدساتير في الدول التي طبَّقت الديمقراطية، وقد تعرضت تلك المبادئ للتطور والتغير عبر الممارسات الطويلة.

مبدأ السيادة للأمة:

نادى (روسو) في كتابه: (العقد الاجتماعي) بأن إرادة الأمة وحدة واحدة لا تتجزأ، وأنها لا تعلوها إرادة، سواء لحاكم أو غيره، وقد كانت (نظرية السيادة) أداة الملوك في العصور الوسطى في أوروبا لتسويغ سلطاتهم بأنهم استمدوها مِن الله مِن خلال البابا في الكنيسة، فعمد مفكرو الثورة الفرنسية إلى مبدأ السيادة للأمة لإعلاء إرادة الأمة على إرادة الملوك.

قال د."علي الباز" أستاذ القانون العام: "ويؤدي ذلك المبدأ إلى عدة نتائج قانونية وسياسية، منها: أن القانون ما هو إلا تعبير عن تلك الإرادة العامة للأمة، وأن التعبير عن إرادة الأمة يتطلب اختيار أو انتخاب ممثلين (نواب)عن الأمة؛ ولذلك فإن المبدأ يُعد سندًا للديمقراطية غير المباشرة (النظام النيابي)، ولا يتفق مع الديمقراطية المباشرة أو شبه المباشرة، ففيهما يمارس الشعب سلطاته بنفسه لا عن طريق ممثلين عنه، (كما يترتب على المبدأ نتائج هامة تتمثل في أن الانتخاب هو وظيفة للأفراد وليس حقًّا لهم، وأن النائب يعد ممثلًا للأمة كلها وليس لدائرته فحسب؛ إضافة إلى أن الأمة هي وحدها صاحبة الحق في وضع دستورها وتعديله، ولا يحتاج هذا التعديل إلى تصديق أو اعتماد من الحاكم.

وقد وُجهت إلى هذا المبدأ انتقادات عدة، منها: أنه لا حاجة للمبدأ اليوم، فقد اتخذ وسيلة لهدم استناد الملوك إلى الحق الإلهي وغيره من النظريات، وقد انتهى مثل هذا الأمر، فلا فائدة له الآن، بل قد يخشى منه الضرر بل الخطر على الحريات العامة، بل قد يؤدي المبدأ -وقد أدى فعلا في أمثلة عديدة- إلى استبداد الحكام، بل إلى استبداد البرلمانات كذلك، وأن المبدأ يمكن أن تستند إليه أنظمة متعارضة ديمقراطية ودكتاتورية" (راجع الديموكتاتورية د.علي الباز، ص51-52 بتصرف) ، فالرئيس المنتخب -بل البرلمان المنتخب- قد يستبد ويطغى؛ بدعوى أنه يمثِّل إرادة الأمة والشرعية فيها.

البرلمان يمثل إرادة الأمة العامة:

فالبرلمان المنتخب انتخابًا يفترض أن يكون انتخابًا حرًّا نزيهًا، ويفترض أن يمثِّل الشعب ويعبِّر عن إرادته الحقيقية، ويمنع أي صورةٍ مِن صور الاستبداد، فإلى أي مدى يتحقق ذلك؟ عمليًّا قرارات المجالس النيابية قد لا تمثِّل دائمًا الإرادة الشعبية أو أغلبية الشعب أو الرأي العام بقدر ما تعبِّر عن إرادة أعضاء المجالس النيابية، وإرادة البرلمان مستقلة كما ذكرنا عن إرادة الناخبين، ويتشكل البرلمان مِن خلال الانتخابات مِن أعضاء يمثلون اتجاهات وأحزابًا مختلفة، وقد يفوز حزب معين بأغلبية داخل البرلمان -لا بإجماع- فيصبح البرلمان يمثل الحزب، ويحدد نواب الحزب الآراء ويصوتون عليها بالقبول، بل قد تمثِّل تلك القرارات فئة قليلة هي قيادات الحزب الحاكم، بل قد يتغيب عن الجلسات عند اتخاذ القرارات أعضاءٌ كثيرون فيتم اتخاذ القرار بأغلبية الحاضرين أكثر مِن نصف الحاضرين، وهذه الأغلبية بالنسبة لمجموع الأعضاء الكلي لا تمثل أغلبية حقيقية، بل تشكل لجان برلمانية متخصصة بأعداد قليلة مختارة مِن داخل البرلمان تقوم بدراسة وفحص القضايا الهامة، ومشروعات القوانين المعروضة، ثم تعرض نتائج دراستها متضمنة رأيها وتوصيتها على أعضاء المجلس، وغالبًا ما يتم الموافقة على آراء تلك اللجان، وكثيرًا ما تكون هذه اللجان موجهة أو لرؤسائها نفوذ تتحكم عمليًّا فيها.

نتائج الانتخابات البرلمانية تعبِّر عن إرادة الأمة:

الانتخابات هي السبيل الوحيد لتكوين برلمان يمثِّل الشعب، ولكن هل هناك ضمانات كافية تكفل صحة وسلامة كل العملية الانتخابية؟

يتوقف ذلك على أمورٍ عديدةٍ، منها:

- مدى الوعي السياسي والإخلاص الوطني عند كل أفراد الشعب؛ أي إدراك الحقائق السياسية إدراكًا جيدًا، مع درجة مناسبة مِن الفهم السياسي، والقدرة على تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة دائمًا، بعيدًا عن العواطف والمهاترات.

- حيدة الحكومة، وهذه تتفاوت مِن مجتمع سياسي لآخر، وبحسب درجة الوعي السياسي للمواطنين، حيث إن هناك قوانين كثيرة تستهدف منع الحكومة والسلطة التنفيذية من التدخل في الانتخابات لصالح جهة ضد أخرى، ولكن العبرة بتفعيل تلك القوانين وتطبيقها التطبيق السليم.

- مدى قوة الإشراف القضائي الكامل الشامل المستقل على العملية الانتخابية مِن أولها إلى آخرها، وأن تكون له السلطة والصلاحيات لاتخاذ كافة القرارات الحاسمة والعاجلة؛ لحماية وصيانة خطوات العملية الانتخابية مما قد يؤثِّر على نتائجها ويزور بالتالي إرادة الأمة.

- مدى انضباط وحيادية ونزاهة وسائل الإعلام المختلفة: المقروءة والمسموعة والمرئية، ووسائل التواصل المختلفة: الحكومية والخاصة؛ إذ تلعب هذه الوسائل أدوارًا كبيرة لا يمكن إنكارها أو تجاهلها لما لها مِن تأثيرٍ كبيرٍ وخطير على نتائج الانتخابات، ورغم وجود القوانين والقواعد المنظمة لدور الإعلام في هذا الأمر، ولكن جرت العادة خاصة في الدول النامية على التغاضي عن تجاوزات الإعلام الخطيرة في هذا الشأن إلا النادر، وبعد إحداثها لتأثيرها وتحقيقها لأهدافها المرسومة لها، بما يؤثر على إرادة الأمة ويوجهها.

الأحزاب السياسية أغلبية ومعارضة جزء من العملية الديمقراطية:

الحزب السياسي: جماعة مِن الأفراد لها برنامج سياسي تسعى لتنفيذه مِن خلال الفوز بالحكم -أو المشاركة فيه- بالوسائل الديمقراطية.

الصفحة التالية