الفساد (23)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
وتعدد الأحزاب قد يبدو متناقضًا مع مبدأ أن سيادة الأمة وحدة لا تتجزأ؛ لما في اختلاف الرؤى مِن تجزئة للسيادة بين أفراد الشعب، بأغلبيةٍ تعبِّر عن الإرادة العامة، وإلى جانبها أقلية تعارض وتنتقد، ولكن تعدد الأحزاب ضرورة للنظام الديمقراطي النيابي، فلا ديمقراطية بلا أحزابٍ سياسية، والغالب واقعيًّا تصدر حزبين كبيرين يتنافسان على تولي الحكم، كحزبي العمال والمحافظين في إنجلترا، والحزبين: الجمهوري والديموقراطي في أمريكا.
ويؤخذ على الأحزاب: أن الكثير منها يأتمر بأمر قادتها، أي يحكمها ويسيطر عليها قلة مِن القادة، وقد تغلب عليهم المصالح الخاصة وحب الرياسة والزعامة وكراسي الحكم -مع الحرص على إخفائها- على المصالح العامة، وإن أفسد ذلك الحياة السياسية مِن خلال الدسائس والصراعات والتنافس غير الشريف، مما يمزِّق وحدة الوطن ويورث الضغائن والبغضاء، بل ربما جرَّ ذلك إلى التحالف مع قوى خارجية معادية لمصالح الوطن.
وفي بعض الدول تكون الأحزاب فيها هامشية لا وجود لها على أرض الواقع في مواجهة حزب حاكم مهيمن يحرص كل الحرص على بقاء الأحزاب على ضعفها السياسي، فيضمن استمراره في الحكم بلا منازع يخشاه، وتصبح أحزاب المعارضة مجرد ديكور في النظام الديمقراطي.
وقد تتعد الأحزاب وتتساوى في قوتها -أو تكاد- فلا يتمكن حزب منها من الحصول على الأغلبية المطلوبة، وتتشكل حكومات ائتلافية قصيرة العمر لا تصمد طويلًا في مواجهة اختلافاتها، مما يؤثِّر بالسلب على الحياة السياسية في البلاد، وهذه صورة شائعة في العديد مِن الدول، من أشهرها: إيطاليا، ولبنان، وإسرائيل.
تنبيه:
1- لا نقصد مِن عرض ذلك هدم الديمقراطية كنظام للحكم، بل إننا مع القائلين بالأخذ بآليات الديمقراطية -بعيدًا عن فلسفتها النظرية- في ظل ما في الأمة مِن اختلافاتٍ كبيرةٍ في الرؤى والتوجهات والآراء؛ لما لهذه الآليات مِن قبول لدى الأكثرية، ولما لها من مزايا -على ما فيها من عيوب- في تنظيم المجتمعات التي تتعدد فيها التوجهات والرؤى من خلال آليات متفق عليها -على ألا تخالف هذه الآليات ثوابت الشريعة الإسلامية- تسمح بالمساهمة في العمل السياسي والمشاركة في الحكم، وتحفظ حقوق الجميع، وتراعي حرياتهم أغلبية ومعارضة بلا تمييز؛ هذا كله في إطار يؤكد على أن دين الدولة الإسلام، فلا يجوز الخروج عنه، وأن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، فلا يجوز مخالفتها، وهذا ما أكدته -بفضل الله تعالى- إرادة الأمة المصرية في أكثر مِن مرة، مع الحثِّ المتواصل على تفعيل ذلك، وتنقية القوانين المعمول بها مما يخالفها.
2- يرد ما ذكرناه على مَن يقدس الديمقراطية، ويراها النظام المثالي، ولا يلتفت إلى ما فيها من عيوب وسلبيات.
3- يؤكد ما ذكرناه على أن تطبيق الديمقراطية يختلف من دولة إلى أخرى، وأن لكل دولة بصمتها في تطبيق الديمقراطية، وتحقيق أكبر قدر مستفاد مِن تطبيق الديمقراطية متوقف على الرغبة الجادة مِن القائمين عليها في الاستفادة مِن كل القوى السياسية وتفعيلها.
صور النظام النيابي:
للنظام النيابي ثلاث صور بناءً على مدى الأخذ بمبدأ الفصل بين السلطات، ومدى السلطات الممنوحة للسلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، وهذه الصور هي:
1- النظام البرلماني:
ظهر أول ما ظهر في إنجلترا، وما زالت إنجلترا أشهر مثال للنظام البرلماني، الذي يجعل مِن رمز الدولة (الملك أو رئيس الجمهورية) سلطة شرفية لها خصائص شرفية، تسود ولا تحكم، وهو نظام يقوم على: الفصل المرن بين السلطتين: التشريعية والتنفيذية، مع التعاون والتوازن بينهما، فليس الفصل فصلًا تامًّا مطلقًا يؤدي إلى العزلة بين السلطات، ولكنه فصل نسبي؛ لئلا تجتمع السلطة التشريعية والتنفيذية في يد واحدة خشية الاستبداد، فلابد من سلطة في مقابلة سلطة، تتوزع الصلاحيات بينهما، وتقوم العلاقة بينهما على التعاون والمساواة، والتوازن والتأثير المتبادل.
ويتصف فيه الجهاز التنفيذي بالثنائية، ويراد بثنائية الجهاز التنفيذي أن تتكون السلطة التنفيذية من رئيس الدولة ومجلس للوزراء، والوزراء يكونون هيئة جماعية واحدة يسودها الانسجام، أعضاؤها -أو أغلبهم- مِن أعضاء البرلمان مِن أعضاء الحزب الفائز بالأغلبية في البرلمان، لها إرادتها المستقلة، أي ليست تابعة لرئيس الدولة، ولها مسئوليتها الجماعية التضامنية أمام البرلمان.
فثنائية الجهاز التنفيذي تعني الفصل بين شخصية رئيس الجمهورية وشخصية رئيس مجلس الوزراء، فلا يجمع فيها رئيس الجمهورية بين منصبه ومنصب رئيس الوزراء، وإلا انتفت ثنائية الجهاز التنفيذي.
واستقلال الوزراء يجعلهم مسئولين المسئولية السياسية، وبالتالي عدم مسئولية رئيس الجمهورية سياسيًّا في ظل النظام البرلماني؛ فسلطاته إما شرفية، أو أنه يمارس سلطاته من خلال وزرائه، أو أن سلطاته تنتقل إلى الوزراء؛ لذا فقراراته لابد أن تحمل توقيع الوزير المختص الذي يسأل سياسيًّا عن هذه القرارات، أي تنتقل السلطة الفعلية إلى الوزراء وتصبح سلطات الرئيس سلطات اسمية.
نعم، قد يكون لرئيس الجمهورية سلطة تعيين الوزراء وعزلهم وله حل البرلمان، ولكنها سلطة شكلية من الناحية العملية؛ إذ إن ذلك مقيد بأن يكون رئيس الوزراء هو رئيس الحزب الحاصل على الأغلبية في الانتخابات الذي يقوم بترشيح الوزراء، ورئيس الجمهورية لا يقدم على حل البرلمان دون أن يحسب حساب الأغلبية في البرلمان وقوتها واحتمال فوزها في الانتخابات الجديدة من جديد.
ومسئولية الوزير مسئولية فردية تتعلق بأعمال وزارته أمام البرلمان، ومسئولية تضامنية عن السياسة العامة للحكومة، والاقتراع على الثقة بأحد الوزراء هو اقتراع على الوزارة بأكملها، وسحب الثقة مِن رئيس الوزراء يعد سحبًا للثقة مِن الوزارة بأكملها.
2- النظام الرئاسي: