شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

دَعوة مُبَارَكة غيَّرت وجهَ الأرض

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالدعاء مِن أعظم أسباب تغيير الحياة على وجه الأرض، فالله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- قَدَّر مقادير وقَدَّرَ لها أسبابًا، ومما قدره الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-: تعمير مكة المكرمة، وتعمير بيت الله الحرام؛ للقيام والركوع والسجود والطواف والاعتكاف وسائر أنواع العبادات.

وجعل الله -عَزَّ وَجَلَّ- الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس؛ به يقوم أمر الناس، وإذا أوشكت الدنيا على الانتهاء، أذِن الله -عَزَّ وَجَلَّ- قدرًا في هدمه، ولا بقاء للناس من دون الكعبة المُشَرَّفَة؛ فمِن أشراط الساعة: "هدم الكعبة"، كما قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةِ ) (متفق عليه) ، وأما قبل ذلك فلا قوام للناس إلا ببيت الله الحرام، وبتَوَجُّه المؤمنين إلى هذه القِبلة المشرفة.

كيف عُمِّرت هذه البقعة؟ وكيف اتجهت إليها قلوب الملايين؟ وتتجه وجوههم وقلوبهم إليها؟!

يذهب الملايين مِن الناس في كل عام إلى هذه البقعة المشرفة لأداء فريضة الحج التي أمر الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- بأدائها وافترضها على الناس، وجعلها ركنًا من أركان الإسلام، كما قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ، عَلَى أَنْ يُعْبَدَ اللهُ، وَيُكْفَرَ بِمَا دُونَهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ ) (متفق عليه) ، وقد عُمِّرَت هذه البقعة بدعوةٍ مباركةٍ مِن إبراهيم -عَلَيْهِ السَّلَامُ-.

فقد كرَّم الله -عَزَّ وَجَلَّ- سارة بأن كانت مِن المؤمنين، ورَدَّ الله -عَزَّ وَجَلَّ- كَيْدَ الملك الكافر عندما ذهب بها إبراهيم -عليه السلام- إلى أرض مصر، كما قال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلاَمُ- إِلَّا ثَلاَثَ كَذَبَاتٍ، ثِنْتَيْنِ مِنْهُنَّ فِي ذَاتِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، قَوْلُهُ: ( إِنِّي سَقِيمٌ ) (الصافات:89) . وَقَوْلُهُ: ( بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا ) (الأنبياء:63) . وَقَالَ: بَيْنَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ وَسَارَةُ، إِذْ أَتَى عَلَى جَبَّارٍ مِنَ الجَبَابِرَةِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ هَا هُنَا رَجُلًا مَعَهُ امْرَأَةٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْهَا، فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: أُخْتِي، فَأَتَى سَارَةَ قَالَ: يَا سَارَةُ: لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرَكِ، وَإِنَّ هَذَا سَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّكِ أُخْتِي، فَلاَ تُكَذِّبِينِي، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ذَهَبَ يَتَنَاوَلُهَا بِيَدِهِ فَأُخِذَ، فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ لِي وَلاَ أَضُرُّكِ، فَدَعَتِ اللَّهَ فَأُطْلِقَ، ثُمَّ تَنَاوَلَهَا الثَّانِيَةَ فَأُخِذَ مِثْلَهَا أَوْ أَشَدَّ، فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ لِي وَلاَ أَضُرُّكِ، فَدَعَتْ فَأُطْلِقَ، فَدَعَا بَعْضَ حَجَبَتِهِ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ لَمْ تَأْتُونِي بِإِنْسَانٍ، إِنَّمَا أَتَيْتُمُونِي بِشَيْطَانٍ، فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ، فَأَتَتْهُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ: مَهْيَا، قَالَتْ: رَدَّ اللَّهُ كَيْدَ الكَافِرِ، أَوِ الفَاجِرِ، فِي نَحْرِهِ، وَأَخْدَمَ هَاجَرَ ) (متفق عليه) .

وضربت سارة مَثَلًا في التضحية؛ إذ وهبت هاجر -وهي خادمتها التي وُهبت لها- لإبراهيم -عَلَيْهِ السَّلَامُ-؛ عسى الله -عَزَّ وَجَلَّ- أن يرزقه منها الولد -إذ كانت سارة عقيمًا لا تلد إلى ذلك التاريخ-، فضربت مثلًا في التضحية والحب الحقيقي، والطاعة لله -عَزَّ وَجَلَّ-، فاتخذ إبراهيم -عَلَيْهِ السَّلَامُ- هاجر سُرِّية، وولدت له إسماعيل، ولكن وقع في قلب سارة ما وقع.

وكان الله -عَزَّ وَجَلَّ- قد قَدَّرَ تعمير بيته الحرام بإسماعيل -عَلَيْهِ السَّلَامُ- وذريته، فأمر الله -عَزَّ وَجَلَّ- إبراهيم أن يأخذ هاجر ويهاجر بها إلى موضع مكة المكرمة، وفي هذا المكان الجدب الذي لا أحد فيه؛ لا أنيس ولا جليس، ترك إبراهيم -عَلَيْهِ السَّلَامُ- هاجر وابنها الرضيع إسماعيل -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، وترك لهما جراب تمر، وشملة، وقربة ماء، وتركهم عند دوحة قريبًا من موضع زمزم، ولم يكن قد بُني البيت بعد، وإنما كان مثل الأكمة المرتفعة، أي: مثل التل المرتفع، وتركهم وحدهم في هذا المكان الذي ليس فيه أحد.

فهذه البقعة التي لا نبت فيها ولا زرع، ولا ماء، ولا شيء على الإطلاق مِن مقومات الحياة، اختارها الله -عَزَّ وَجَلَّ- يوم خلق السماوات والأرض لتكون بقعة عبادته وتوحيده إلى آخر الزمان، إلى ألَّا يوجد على وجه الأرض من يقول: "الله... الله".

ولله الحمد والمنة أن الله حَرَّم مكة يوم خلق السماوات والأرض، ولم يحرِّمها الناس، كما قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَهِيَ حَرَامٌ بِحَرَامِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلاَ تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، وَلَمْ تَحْلِلْ لِي قَطُّ إِلَّا سَاعَةً مِنَ الدَّهْرِ، لاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلاَ يُعْضَدُ شَوْكُهَا، وَلاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا، وَلاَ تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ ) (متفق عليه) .

اجتبى الله هذه البقعة وجردها -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- مِن مُقَوِّمات الحياة الطبيعية، وقدَّر أن تكون أزحم بقعة على وجه الأرض بمَن يَعبد الله -عَزَّ وَجَلَّ-، وهذه آية عظيمة مِن آياته -عَزَّ وَجَلَّ-، وبيان لأهمية الدعاء؛ إذ كانت هذه الدعوة من إبراهيم -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، قال -تعالى-: ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ ) (إبراهيم:35) ، وفي الآية الأخرى قال -تعالى-: ( رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا ) (البقرة:126) .

الصفحة التالية