دَعوة مُبَارَكة غيَّرت وجهَ الأرض
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
فكانت الدعوة قبل تكوُّن البلدة، وبعد تكوُّنها كان هذا الدعاء الذي غيَّر وجه الحياة على سطح الأرض، والذي نشر الله -عَزَّ وَجَلَّ- به التوحيد في مشارق الأرض ومغاربها؛ إذ مِن ذرية إبراهيم وإسماعيل -عَلَيْهِما السَّلَامُ- وُلد محمد -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، الذي أراد الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- بحكمته وعلمه أن يكون هو الذي يرفع لواء دعوة التوحيد، وهي دعوة الأنبياء جميعًا في أرجاء الأرض كلها بفضل الله -عز وجل-، وتكون أمته مِن بعده حاملة هذا اللواء، تنشر توحيد الله -عَزَّ وَجَلَّ-، وتعلن الكلمة الخالدة: "لا إله إلا الله"، شعارًا للحياة، وشعارًا للأمة الإسلامية.
ولا توجد أمة مِن الأمم سواء ممَن ينتسب إلى الأنبياء أو ممَن لا ينتسب إليهم يرفع هذا الشعار، أو يطبقه في الحياة، أو يسعى إلى إعلاء هذه الكلمة في الأرض، وإنما تجد الأمم حتى مَن ينتسب إلى الأنبياء جعلوا شعائر خاصة بهم خلاف ما أوصى به الأنبياء، وإن كانت الوصية مسجلة عندهم، وهي أول الوصايا جميعًا: "أن نعبد الله وحده لا شريك له"، هكذا في وصايا موسى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- العشر في التوراة، وكما هي وصية المسيح -عَلَيْهِ السَّلَامُ- في الإنجيل، وبفضل الله -عَزَّ وَجَلَّ- إنما يرفع هذه الكلمة ويطبقها في الحياة أهل الإسلام الذين يتجهون مِن كل مكان إلى هذه البقاع الطاهرة، ويخرجون في اليوم الثامن قاصدين منى ثم عرفات، ثم يفيضون بعد ذلك إلى المشعر الحرام، ثم إلى منى، ثم إلى البيت العتيق مرة ثانية، قاصدين بذلك مرضاة ربهم؛ لأنهم يبتغون فضلًا مِن الله ورضوانًا.
وهكذا قدَّر الله -عَزَّ وَجَلَّ- أن إسماعيل -عَلَيْهِ السَّلَامُ- وأمه يتركهما إبراهيم -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، فتقول له هاجر: "إلى من تتركنا بهذا الوادي الذي ليس به أنيس ولا أحد؟" وكأن هذا السؤال ما كان ينبغي أن يكون؛ لذا لم يجبها إبراهيم، ولم يلتفت إليها، فكيف تظن به -وهو الرفيق الرحيم الشفيق بالخلق- كيف تظن به أن يكون قاسيًا على ولده فلذة كبده؟! وعلى امرأته التي عاشرها وعاش معها ووحدت الله -عَزَّ وَجَلَّ- على يديه؟! وكيف يمكن أن يُظن به ذلك، وهو يدعو لمن عصاه بالمغفرة والرحمة؟! يقول: ( وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ . رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ) (إبراهيم:35-36) .
الأصنام أضلت مَن دَعَا إليها، وبعادتها تضل كثيرًا من الناس؛ فهو يعتبر بحال الأكثر ويخشى على نفسه وبنيه أن يقعوا فيما وقع فيه الناس؛ فمَن قال: إنه يأمن الشرك على نفسه فهو جاهل!
ولذا قال مَن قال مِن السلف: "مَن يأمن البلاء بعد إبراهيم -عَلَيْهِ السَّلَامُ-؟"، ومَن يأمن أن يقع فيما حذر الله منه من الشرك بعد أن يدعو إبراهيم -عَلَيْهِ السَّلَامُ- بالنجاة منه له ولبنيه؟ وقد استجاب الله -عَزَّ وَجَلَّ- دعوته، فلم يكن أحدٌ مِن بنيه أو من عصبته مُشركًا، وإنما وقع الشرك في الأجيال التالية بعده.
انظر كيف تكون الدعوة مُستمرة الأثر أجيالًا مُتتابعة، دعوة إبراهيم -عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَثَّرَت في حياة البشر في هذه البقعة إلى يومنًا هذا؛ إذ دعوة التوحيد التي جددها النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وقام بها في الأرض كلها، بعد أن كان الأنبياء يقومون بها في أقوامهم، قام بها -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في الأرض كلها، وبُعِث إلى الأحمر والأسود، وأرسل أصحابه إلى المشارق والمغارب، وأمر أمته بالجهاد لإعلاء كلمة الله في كل مكان.
النسَب الحقيقي:
قال الله -تعالى- عن إبراهيم -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: ( رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ) (إبراهيم:36) ، هذا هو النسب الحقيقي: اتباع إبراهيم -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، ولذلك قال -عَزَّ وَجَلَّ-: ( مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ) (الحج:78) ، فإبراهيم أبو المؤمنين وإن لم يكونوا مِن نَسَبِه؛ فهو أبوهم بالروح والقلب؛ ذلك أن ولادة قلوبهم كانت بدعوته، والنبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أبو المؤمنين كما قال -عَزَّ وَجَلَّ-: ( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ) (الأحزاب:6) ؛ وذلك بأنه هو -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الذي وُلِدَت به هذه القلوب.
وكان النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- دعوة أبيه إبراهيم -عَلَيْهِ السَّلَامُ- إذ دعا ربه أن يبعث في ذريته رسولًا منهم يتلو عليهم آياته ويُعلمهم الكتاب والحكمة ويُزكيهم: ( رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ )، وتوسل إلى الله -عَزَّ وَجَلَّ- بعزته وحكمته فقال: ( إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (البقرة:129) ؛ فكان محمد -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- دعوة أبيه إبراهيم -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، وبُشرى عيسى -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، ورؤيا أمه التي رأت نورًا خرج منها فأضاء قصور الشام، كما ورد في الحديث عن أبي أمامة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَا كَانَ أَوَّلُ بَدْءِ أَمْرِكَ؟ قَالَ: ( دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ وَبُشْرَى عِيسَى، وَرَأَتْ أُمِّي أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ مِنْهُ قُصُورُ الشَّامِ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .
إن الدعاء مِن أعظم وأمضى الأسلحة في القرب من الله -عَزَّ وَجَلَّ- وبحسب قرب الداعي من ربه -عَزَّ وَجَلَّ- واستعانته بحول الله وقوته يؤثِّر الدعاء تأثيرًا عجيبًا يمتد آلاف السنين بقدرة الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، يقول إبراهيم -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: ( فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (إبراهيم:36) .