دَعوة مُبَارَكة غيَّرت وجهَ الأرض
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
فإذا كان إبراهيم -عَلَيْهِ السَّلَامُ- يدعو لمَن عصاه بأن يغفر الله -عَزَّ وَجَلَّ- له، وإنما يغفر الله الشرك بأن يتوب العبد منه، فإن مَن مات على الشرك وقد بلغته الحجة لا يغفر الله له الشرك، قال -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) (النساء:48) .
وقوله: (وَمَنْ عَصَانِي): تشمل مَن عصى الله -عَزَّ وَجَلَّ- بما دون الشرك، فإبراهيم -عَلَيْهِ السَّلَامُ- يستغفر له؛ فالمغفرة لهذا النوع والاستغفار مؤثِّر -بإذن الله-، وأما مَن أشرك فإبراهيم يدعو له بأن يتوب الله عليه، وهذا لمَن لم يمت على الشرك، أما مَن مات على الشرك فإن إبراهيم -عَلَيْهِ السَّلَامُ- يتبرأ منه كما تبرأ مِن أبيه آزر: ( فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ) (التوبة:114) .
فإبراهيم الأواه الحليم المنيب الذي يطلب تأخير العذاب عن قوم لوط -القوم المجرمين الذين فعلوا الفاحشة ما سبقهم بها مِن أحدٍ مِن العالمين، واستهزأوا بنبيهم، وأرادوا إيذاءه-، ومع ذلك إبراهيم -عَلَيْهِ السَّلَامُ- يدعو لهم بشفقته ورحمته للخلق، والله يحب منه ذلك حتى وإن دعا في بعض الأحيان لمَن لا يستحق أن يُغفر له، ولمَن لا يستحق أن يُؤخر عنه العذاب، وأمر الله -عَزَّ وَجَلَّ- نافذ فيه، لكن الله يحب الحلم والإنابة ويحب الأواه -كثير الدعاء-.
فإبراهيم كثير الدعاء، والله يُحب هذه الصفات التي ترتب عليها هذا الدعاء حتى وإن وقع في غير موضعه؛ فكيف يمكن أن يظن به ألا يكون شفيقًا رحيمًا بوَلَده وأُمِّ وَلَدِه؟!
ذلك مما لا يُتصور؛ فكيف تَسأل هاجر وتقول: "إلى مَن تتركنا؟!"، وكيف يمكنها أن تتصور أنه يتركهم إلى غير أحد، فتكرر السؤال؟!
فيعلمها إبراهيم بالسكوت الذي هو أبلغ مِن الكلام أحيانًا؛ يُعلمها بألا يلتفت، وفي الثالثة تكرر السؤال ولا يُجيب، ولا يلتفت، فتنتبه بعد ذلك فتقول: "آلله أمرك بهذا؟"، فهنا يجيب إبراهيم -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فيقول: "نعم"، وذلك أنه كان ينبغي أن تدرك هذا الأمر مِن البداية.