دروس وعبر من حجة سيد البشر... (كَذَاكَ سَوْقُكَ بِالْقَوَارِيرِ)
رمضان النجدي • من نور الوحيين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فما أن تمر علينا هذه الأيام المباركات كل عام؛ إلا وتهب علينا نسائم الإيمان، ويتفيأ العبد ظلال هذه المشاهد العظيمة مِن حجة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكثيرة هي الدروس والعِبَر مِن حجة سيد البشر -عليه أفضل الصلاة وأتم السلام-.
ومنها: درس عظيم مبارك، وهو حسن العشرة مع نسائه، ومعاملتهن معاملة مفعمة بالمحبة والمودة، والرفق بهن، والشفقة والصبر على ما يمر بهن مِن أحوال يتضجر منها غالب الناس عادة؛ فقد وقف -صلى الله عليه وسلم- يوم عرفة، في أكبر محفل عرفته البشرية يومها، في قلب الجزيرة العربية، فيما يزيد على مائة ألف مسلم ومسلمة، وخطب خطبة جامعة، عُرفت بخطبة الوداع، ذكر فيها أربعة بنود، فيها جماع الدين والملة: بندًا للجاهلية وصورها، وبندًا لحرمة الدماء والأموال والأعراض، وبندًا للاعتصام بالكتاب والسُّنة، وكان النساء بندها الرابع، حيث قال: ( فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) (رواه مسلم) .
وهذا يدل على حضور شأن النساء في خطبه الجامعة، وعلى مكانة المرأة في المجتمع المسلم؛ وإلا لما أفرد لها بندًا كاملًا في خطبة وداعه.
ولقد كانت حجته -صلى الله عليه وسلم- نموذجًا عمليًّا على هذا، وكان حاله كما ثبت عنه عن عائشة -رضي الله عنها-: ( خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
ونحن في هذه المقالة نتوقف عند هذا المعنى العظيم في حياته -صلى الله عليه وسلم-: ( وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي ) مِن خلال مشاهد متعددة في حجته -عليه الصلاة والسلام-.
والإنسان يتعجب أشد العجب من هذه المواقف العظيمة، والواحد منا اليوم في سفره مع أهله وأبنائه، وليس بسفر طويل كالحج مثلًا، تجده يتضجر وتضيق نفسه مما يعرض لهن مِن أحوالٍ، هذا وهي زوجة واحدة، فما بالنا بتسع؟!
فهذا رسول الله معه تسع نسوة لكل منهن أو بعضهن مواقف وعوارض، وليس هن فحسب، بل أكثر من مائة ألف فيهم الرجال والنساء، بل والأطفال، لكل منهم مشكلته وسؤالاته، وهو مع هذا كان رفيقًا شفوقًا تجد عنده حسن المعشر، والمواساة والملاطفة، وغيرها مِن المعاني العظيمة التي تجلت في حجته، فدعونا نستعرض بعضًا مِن هذه المواقف، ونستلهم دروسًا وعبرًا مِن حجة سيد البشر -صلى وسلم عليه رب البشر-.
المشهد الأول:
قال ابن القيم -رحمه الله- في الزاد: "وأخذ معه نساءه جميعًا، وطاف عليهن كلهن ليلة بات بذي الحليفة".
وهذا مِن حسن عشرته وعدله، فقد كانت عادته في سفره أنه يقرع بين نسائه في سفره، أما في حجة الوداع فقد أخذ نساءه جميعًا؛ ففضلًا عن معنى أداء الفريضة عليهن، فيه معنى حسن العشرة، وحرصه على استرضائهن كلهن.
وتأمل طوافه عليهن جميعا ليلة بات بذي الحليفة، ففيه العدل التام بينهن فهو سيحرم مِن غده، ويريد التفرغ للنسك والعبادة، فلم يقسم وأعطى الجميع حقه -عليه أفضل الصلاة والسلام-، ونحن في غنى أن نجيب عن هذه الشبهة السمجة كيف وقع هذا؟ وإلا فقد قص -صلى الله عليه والسلام- عن نبي الله سليمان -عليه السلام- وهو مِن أنبياء بني إسرائيل، وهم أساس هذه الشبهات مِن يهود ونصارى، ومَن تبعهم مِن ملاحدة وزنادقة، أنه طاف على سبعين امرأة في ليلة واحدة، وليس تسعًا.
وكما أخذ نساءه جميعًا، حثَّ غيرهن من النساء على أداء فريضة الحج، ولو كن بهن مرض، فقد ثبت عنه عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: دَخَلَ رَسولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- علَى ضُبَاعَةَ بنْتِ الزُّبَيْرِ، فَقالَ لَهَا: ( لَعَلَّكِ أرَدْتِ الحَجَّ؟ ) قالَتْ: واللَّهِ لا أجِدُنِي إلَّا وجِعَةً، فَقالَ لَهَا: ( حُجِّي واشْتَرِطِي، وقُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي ). وكَانَتْ تَحْتَ المِقْدَادِ بنِ الأسْوَدِ . (متفق عليه) .
وهذا حرص منه على أن تكون النساء معه في أداء الفريضة ولو بهن عوارض: كالمرض، ويوجهن ويعلمهن، فـ( إِنَّ النِّسَاءَ شَقَائِقُ الرِّجَالِ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) ، كما ثبت عنه -عليه أفضل الصلاة وأتم السلام-.
المشهد الثاني:
يقصه جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- راوي حجة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال: حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: ( اغْتَسِلِي، وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي ) (رواه مسلم) .
موقف يعجز اللسان أن يعبِّر عن بعض معانيه، امرأة ولادتها مِن اليوم أو الغد، ومع هذا تخرج في هذه الرحلة الشاقة اليوم، فما بالنا بيومها؟!
والله إنه الحب لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي خالطت بشاشته الإيمان، ورسول الله المعلِّم المربي يترفق، ويعلمها أن تغتسل للإحرام -لا لرفع الحدث-، وتضع خرقة وتشدها موضع خروج الدم، وتكمل عبادتها التي ضحت لأجلها وخرجت، وهي في هذا الحال، ويكرمها، فيحنك ابنها ويسميه محمدًا -هو محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما-، ورضي الله عن أمه أسماء بنت عميس، وصلى الله على رسول الله وسلم تسليمًا كثيرًا.
المشهد الثالث: