دروس وعبر من حجة سيد البشر... (كَذَاكَ سَوْقُكَ بِالْقَوَارِيرِ)
رمضان النجدي • من نور الوحيين
وهو مشهد عظيم نترك الحديث لصاحبته تقصه علينا، فعن صفية أم المؤمنين -رضي الله عنها-: أنَّ النبيَّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- حجَّ بِنِسِائِهِ حتَّى إذا كان بِبَعْضِ الطَّريقِ نَزَلَ رجلٌ فساقَ بِهِمْ فأسرعَ، فقال النبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: "كَذَاكَ سوقُكَ بالْقَوَارِيرِ" -يعْنِي النساءَ-، فَبَيْنَا هُمْ يَسِيرُونَ بَرَكَ بصفيةَ ابنةِ حُيَيٍّ جملُها وكانَتْ من أحسنِهِنَّ ظهْرًا، فبَكَتْ وجَاءَ رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- حتى أُخْبِرَ بِذَلِكَ فجَعَلَ يمسَحُ دُمُوعَهَا بيدِهِ، وجعلَتْ تَزْدَادُ بُكَاءً، وهو يَنْهَاهَا، فلمَّا أكثرتْ زَبَرَها وانتهَرَها، وأمرَ الناسَ فنزلُوا، ولم يكن يريدُ أن ينزلَ، قالَتْ: فنزلُوا وكان يَومِي. فلَمَّا نَزَلُوا ضُرِبَ خِبَاءُ رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- ودخلَ فيه، قالَتْ: فلَمْ أَدْرِ عَلامَ أَهْجِمُ مِنْ رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- فخَشيتُ أنْ يكونَ في نفْسِهِ شيءٌ، فانطلَقْتُ إِلَى عَائِشَةَ فقلتُ لَهَا: تَعْلَمينَ أَنِّي لم أكُنْ لِأَبيعَ يَوْمِي من رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- أبدًا، وَإِنِّي قَدْ وهبْتُ يَوْمِي لَكَ على أن تُرَضِّي رسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- عنِّي, قالَتْ: نعم. قال: فأَخَذَتْ عائشةُ خمارًا لها قَدْ ثَرَدتْهُ بزعفرانٍ فرَشَّتْهُ بالماءِ لَيُذَكِّىَ ريحَه ثم لبِسَتْ ثيابَها، ثمَّ انطلَقَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-، فرفَعَتْ طَرَفَ الخِبَاءِ، فقالَ: "مالَكِ يَا عَائِشَةُ؟ إنَّ هَذَا لَيْسَ بِيَوْمِكِ"، قالتْ: ذلِكَ فضلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ. فَقَال معَ أَهْلِهِ، فلَمَّا كانَ عندَ الرَّوَاحِ، قالَ لِزَيْنَبَ بنتِ جَحْشٍ: "أَفْقِرِي أُخْتَكِ صَفِيَّةَ جملًا" وكانَتْ مِنْ أكْثَرِهِنَّ ظهْرًا. فقالَتْ: أنا أُفْقِر ُيَهُودِيَّتَكَ؟! فغَضِبَ النبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- حينَ سَمِعَ ذلِكَ مِنْهَا، فهَجَرَها فَلَمْ يُكَلِّمْهَا حتَّى قَدِمَ مَكةَ وأيامَ مِنًى في سفَرِهِ حتى رجعَ إلى المدينةِ والمحرمِ وصَفَرٍ، فلَمْ يَأْتِها ولم يَقْسِمْ لها حتى يَئِسَتْ مِنْهُ، فلَمَّا كانَ شهرُ ربيعٍ الأولِ دخلَ علَيْهَا فَرَأَتْ ظِلَّهُ فقالَتْ: "إنَّ هذا لَظِلُّ رجلٍ" وما يدخلُ علَيَّ النبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-، فدخلَ النبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-، فلمَّا دخلَ قالتْ: يا رسولَ اللهِ، ما أدري ما أصنعُ حينَ دخلْتَ علَيَّ، قال: وكانتْ لها جارِيَةٌ وكانتْ تُخَبِؤُهَا مِن رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- فقالَتْ: فُلَانَةٌ لكَ، فمَشَى النبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- إلى سريرِ زينبَ وكان قَدْ رُفِعَ فَوَضَعَهُ بيدِهِ ثمَّ أصابَ أَهْلَهُ ورَضِيَ عَنْهُمْ. (رواه الإمام أحمد في مسنده) .
ومرة أخرى -والله- يقف الانسان عاجزًا أن يعبِّر عما في صدره عن روعة هذه المواقف!
اسمع إليه -صلى الله عليه وسلم- وهو يلاطف الرجل الذي يسوق ركب النساء، ومثل هذه الشخصيات لا يهتم بشأنها أحد في العادة: "كَذَاكَ سَوْقُكَ بِالْقَوَارِيرِ" فهو إنكار مفعم بملاطفة، بل تأمل هذا الوصف الذي يشع رقة وحنانًا "القوارير"؛ لتعلم مدى عظمة هذه الشخصية العظيمة المباركة!
وانظر إليه وهو يمد يده على خد زوجته ليمسح دموعها، شفقة وحسن معاشرة، ولطف بليغ، وقارن بينه وبين مَن يمد يده اليوم لا ليمسح الدموع، بل يلطم الخدود، بل والعياذ بالله قد يكسر عظمًا أو يترك زرقة في موضع مِن البدن أو يحدث جرحًا، وكل هذا لا يجوز حتى مع جواز التأديب بالضرب؛ هذه حاله -عليه الصلاة والسلام-، ولما زاد بكاؤها زبرها ونهرها، ومع هذا أنزل الركب، ولم يكن يريد أن ينزل شفقة عليها، وإصلاحًا لشأن مركبها!
بل انظر إلى فقهها وهي تعرف مَن يحب رسول الله، وهي عائشة، فتصلح غضبه بشأن ما يحبه، حتى لو فاتت ليلتها، وهذا حسن عشرة متبادل بين رسول الله وزوجاته، وفيه دليل على فضل عائشة -رضي الله عنها- ومكانتها عند رسول الله، وعند بقية زوجاته ويلاطف عائشة بأنها ليست ليلتها، وعائشة تفرح وتستشعر كرم الله عليها بقربه وبمنزلتها عنده.
وأمهات المؤمنين بشر مِن البشر، يصيبهن ما يصيب بقية النساء من الغيرة، وخلافه، فأم المؤمنين زينب من الصالحات الطيبات، وعُرف عنها الزهد، والعبادة، وكثرة النفقة، ونزل في شأنها قرآن يتلى، ومع هذا قالت: "أَنَا أُفْقِرُ يَهُودِيَّتَكَ؟!" وهي تقصد صفية، وتعايرها بأنها كانت يومًا يهودية، والكلمة أغضبت النبي -صلى الله عليه وسلم- غضبًا شديدًا، عبَّر عنه في هجرها قرابة الثلاثة أشهر، حتى يئست ورفعت سريرها، ولكنه عفا عنها، ولم يطلقها، وفرحت فرحًا شديدًا، ومِن فرحها أهدت النبي جارية كانت تخبأها.
ولصفية مشهد آخر في الحجة المباركة -سيأتي معنا-.
هكذا كانت حياته مع زوجاته؛ حياة مفعمة بالحب والحنان، وحسن العشرة، فصلى الله عليه وسلم، ورضي الله عن أمهات المؤمنين.
المشهد الرابع:
يقصه صاحبه أسامة بن زيد -رضي الله عنهما- فيقول: خَرَجْنا مع رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- في حجَّتِه التِّي حجَّها، فلمَّا هَبَطْنا بَطْنَ الرَّوْحاءِ عَارَضَتْ رسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- امرأةٌ مَعها صَبِيٌّ لها فَسَلَّمَتْ عليهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- فَوَقَفَ لها، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، هذا ابنِي فُلانٌ، والذي بعثَكَ بِالحَقِّ ما زَالَ في خَنْقٍ واحِدٍ مُنْذُ ولَدْتُهُ إلى السَّاعَةِ -أوْ كَلِمَةً تُشْبِهُها- فَأَكْسَعَ إليها رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- فبسطَ يَدَهُ فجعلهُ بينَه وبينَ الرَّحْلِ، ثُمَّ تَفَلَ في فيهِ، ثُمَّ قال: اخْرُجْ عَدُوَّ اللهِ، ثُمَّ ناوَلَها -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- إِيَّاهُ، فقال: ( خُذِيهِ، فَلَنْ تَرَيْ مَعهُ شيئًا يَرِيبُكِ بعدَ اليومِ إنْ شاءَ اللهُ -تَعالَى- ).