شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

دروس وعبر من حجة سيد البشر... (كَذَاكَ سَوْقُكَ بِالْقَوَارِيرِ)

رمضان النجدي • من نور الوحيين

ويبلغ هذا المشهد ذروته في نهاية الرحلة النبوية المباركة، حينما يهم رسول الله بالعودة بعد أن أنهى حجته، وكلنا يعلم مدى حاجة الإنسان منا إلى العودة إلى دياره، وخصوصًا في رحلة شاقة كهذه؛ استغرقت من رسول الله إلى هذه اللحظة ثمانية عشر يومًا وليلة، وستأخذ ثمانية أيام إيابًا، ومع هذا كله حينما هم بالعودة، ليلة الأربعاء الرابع عشر مِن ذي الحجة، ليلة الحصبة، وقفت عائشة له، ولنتركها تروي ما حدث حينما حاضت، قالتُ له: إِنِّي كُنْتُ أَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ، فَكَيْفَ أَصْنَعُ بِحَجَّتِي؟ قَالَ: ( انْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَمْسِكِي عَنِ الْعُمْرَةِ، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ، وَاصْنَعِي مَا يَصْنَعُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ وَلَا تُصَلِّي حَتَّى تَطْهُرِي ). وفي روايةٍ: ( فكوني في حجِّكِ فعسى اللهُ أن يرزقَكيها ) ففعلتْ ووقفتِ المواقفَ حتى إذا طهُرتْ طافتْ بالكعبةِ والصَّفا والمروةِ، وقال لها -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: ( قد حلَلْتِ من حجِّكِ وعمرتِك جَميعًا ) فقالت: يا رسولَ اللهِ، إني أجدُ في نفسي أني لم أطُفْ بالبيتِ حتى حججتُ، وذلك يومَ النَّفرِ فأبتْ، وقالت: أَيرجعُ الناسُ بأجرَينِ وأرجعُ بأجرٍ؟ وفي روايةٍ: يَصدرُ الناسُ بنُسُكينِ، وأصدرُ بنُسُكٍ واحدٍ. وفي أُخرى: يرجعُ الناسُ. وفي روايةٍ: صَواحبي. وفي أُخرى: بعمرةٍ وحجَّةٍ، وأرجعُ أنا بحجَّةٍ. وَكَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَجُلًا سَهْلًا، إِذَا هَوِيَتِ الشَّيْءَ تَابَعَهَا عَلَيْهِ، فأرسلَها مع أخيها عبدِ الرحمنِ فأهَلَّتْ بعُمرةٍ من التنعيم.

وتأمل قولها: "وَكَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَجُلًا سَهْلًا، إِذَا هَوِيَتِ الشَّيْءَ تَابَعَهَا عَلَيْهِ".

والله، إن هذا الوصف ليكفي فيما ترنو هذه المقالة الوصول إليه، فمع أنه قال لها: ( قَدْ حَلَلْتِ مِن حجِّكِ وعُمْرَتِك جَمِيعًا )، أي: أنها قامت بعمرة وحجة قارنة، كما رجحه ابن القيم في الزاد؛ إلا أنها تريد عمرة مستقلة، كبقية أصحابه، وزوجاته، وقد يرى البعض في هذا تدللًا زائدًا، لكن كان -عليه الصلاة والسلام- حسن العشرة، رفيقًا، يألف ويؤلف، عطل ركبه، وانتظر إلى أن تذهب فتعتمر عمرة مستقلة، ولم يتحرك إلا بعد أن قضت حاجتها ونهمتها، فنادى بالنفير، وحينها وجد صفية تقف على باب خبائها حزينة كئيبة، فقالَتْ صَفِيَّةُ: ما أُرَانِي إلَّا حَابِسَتَهُمْ. قالَ: ( عَقْرَى حَلْقَى، أَوَما طُفْتِ يَومَ النَّحْرِ؟ ) قالَتْ: قُلتُ: بَلَى. قالَ: ( لا بَأْسَ انْفِرِي ).

صفية كانت حاضت يوم النحر بعد طواف الإفاضة، وظنت أنها ستؤخر مسيرهم في العودة؛ بسبب أنها لن تطوف طواف الوداع حتى تطهر، فقالت: "ما أُرَانِي إلَّا حَابِسَتَهُمْ".

وهنا يظهر حسن عشرة النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه أكد أنه سيحبس في مكة، وسيتأخر عن العودة إلى المدينة، إلى أن تطهر زوجته لتطوف، وهذا مقتضاه أنه سينتظر أيامًا وليالي حتى تطهر، وسأل فوجدها طافت طواف الإفاضة، فأخبر أن طواف الوداع يسقط للعذر، وهذا مِن تمام حسن خلقه وصبره وشفقته -عليه أفضل الصلاة وأتم السلام-.

المشهد السادس:

كان مِن شفقته -صلى الله عليه وسلم- بشأن مَن كان معه مِن النساء، أنه أذِن لضعفة أهله، ومَن استأذنته من زوجاته، كسودة لثقلها، وأم سلمة لمرضها؛ أذن لهن بالبيتوتة في مكة ليلة المزدلفة، تقول عائشة: "اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ رَسولَ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ- لَيْلَةَ المُزْدَلِفَةِ، تَدْفَعُ قَبْلَهُ، وَقَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ، وَكَانَتِ امْرَأَةً ثَبِطَةً -يقولُ القَاسِمُ: وَالثَّبِطَةُ: الثَّقِيلَةُ-، قالَ: فأذِنَ لَهَا، فَخَرَجَتْ قَبْلَ دَفْعِهِ، وَحَبَسَنَا حتَّى أَصْبَحْنَا فَدَفَعْنَا بدَفْعِهِ. وَلأَنْ أَكُونَ اسْتَأْذَنْتُ رَسولَ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ- كما اسْتَأْذَنَتْهُ سَوْدَةُ، فأكُونَ أَدْفَعُ بإذْنِهِ، أَحَبُّ إلَيَّ مِن مَفْرُوحٍ به" (متفق عليه) .

وهذا مِن تمام الشفقة بهن، فكون الإنسان يشعر بمَن حوله، ويقدر ذلك، ويساعده على حل مشكلته، هذا أمر حسن، فما بالك أن تكون من أهلك: كأمك او أختك أو زوجتك؟! هذا يدل على حسن عشرة وخلق حسن، ويبدو -والله أعلم-: أن عائشة لما رأت أمورًا كزحام مثلًا، تمنت أن كانت فعلت كفعل سودة -رضي الله عنها-،

وأم سلمة بسبب مرضها هذا استأذنت النبي -صلى الله عليه وسلم- أن تطوف طواف الوداع مِن خلف الناس في صلاة الفجر، فأذن لها -عليه أفضل الصلاة وأتم السلام-.

المشهد السابع:

مشهد سؤالات النساء في حجته، واستفسارهن عن أشياء تخصهن، أو تخص أحد ذويهن، والحج مشقة، وأهله معه، ولا يتضجر، ولا يصد أحد عنه، ولا يضيق صدره مما يرى، ويجيب، ويوجِّه، ويعلِّم وينصح، فجاءته امرأة حسناء شابة تسأله والفضل ردفه، وكان شابًّا وسيمًا وضيئًا حسن الشعر، فجعلت تنظر إليه وطفق ينظر إليها وأعجبه حسنها، فالتفت النبي -صلى الله عليه وسلم- فإذا الفضل ينظر إليها فأخلف بيده فأخذ بذقن الفضل، فدفع وجهه عن النظر إليها، فنظر مِن الشق الآخر فصرف وجهه مرةً أخرى، حتى قال أبوه العباس: يا رسول الله لويت عنق ابن عمك، فقال -صلى الله عليه وسلم-: ( رَأَيْتُ شَابًّا وَشَابَّةً فَلَمْ آمَنِ الشَّيْطَانَ عَلَيْهِمَا ) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني) . فقالت المرأة: إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ، أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: ( نَعَمْ ) (متفق عليه) .

ولا تدري مما تعْجَب في هذا المشهد؟!

الصفحة السابقة الصفحة التالية