شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

دروس وعبر من حجة سيد البشر... (كَذَاكَ سَوْقُكَ بِالْقَوَارِيرِ)

رمضان النجدي • من نور الوحيين

قال أسامةُ -رضيَ اللهُ عنهُ-: وقَضَيْنا حِجَّتَنا ثُمَّ انصرفْنا، فلمَّا نزلْنا بالروحاءِ، فإِذَا تِلكَ المرأةُ أمُّ الصبيِّ، فجاءَتْ ومَعها شاةٌ مَصْليَّةٌ فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، أنا أمُّ الصبيِّ الذي أتيتُكَ بهِ، قالتْ: والذي بعثَكَ بالحقِّ ما رأيتُ مِنْهُ شيئًا يَرِيبُنِي إلى هذهِ الساعةِ. قال أسامةُ -رضيَ اللهُ عنهُ-: فقال لي رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: ( يا أُسيمُ، ناولْنِي ذراعَها ). قال: فامْتَلَخْتُ الذراعَ فناولْتُها إيَّاهُ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- فأكلَها -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-، ثُمَّ قال: ( يا أُسيمُ، ناوِلْنِي الذراعَ ) فامْتَلَخْتُ الذراعَ فناولْتُها إيَّاهُ فأكلَها -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-، ثُمَّ قال: ( يا أُسَيمُ، ناوِلْنِي الذراعَ )، فقلْتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّكَ قد قلْتَ: ناوِلْنِي فَناوَلْتُكَها فَأكلْتَها، ثُمَّ قلْتَ: ناوِلْنِي فَناوَلْتُكَها فَأكلْتَها، ثُمَّ قلْتَ: ناوِلْنِي الذراعَ، وإِنَّما لِلشَّاةِ ذِرَاعَانِ، فقال رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: ( أمَا إِنَّكَ لَوْ أَهْوَيْتَ إليها ما زِلْتَ تَجِدُ فيها ذِرَاعًا ما قُلْتُ لكَ ) (أخرجه البيهقي في دلائل النبوة، وحسنه الحافظ ابن حجر في المطالب العالية) .

- امرأة مِن عموم الناس، حتى يظهر مِن السياق أنها لم تكن معه في حجته، فهي قد سمعت به، فعارضته، أي: وقفت له في طريقه، فوقف لها وسمع مشكلتها، ومال إليها بكليته اهتمامًا بشأنها، وأسدى إليها المعروف، وحل لها مشكلتها، وهو في هذه الحال المشغلة، وحوله الناس ينتظرون، والذي يظهر أن الرضيع كان به مس من جن، وقد رقاه رسول الله، وما أعظمها من رقية، يحل مشكلة الكبير والصغير، ويبشرها ويهدِّئ مِن روعها: ( خُذِيهِ، فَلَنْ تَرَيْ مَعهُ شيئًا يَرِيبُكِ بعدَ اليومِ إنْ شاءَ اللهُ -تَعالَى- ).

هكذا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لدرجة أن المرأة من شدة تأثرها به ذبحت شاة، وطبختها، وأهدتها لرسول الله ومَن معه مِن رفقائه في أثناء عودته من الحج، ويقبل هديتها تطييبًا لخاطرها، وحسن معاملة منه -عليه الصلاة والسلام-.

ويلاطف أسامة حبه وابن حبه، فيصغِّر اسمه حبًّا وتألفًا له: ( يا أُسَيمُ )، وهكذا كان يدعوه، أي: هذه عادته معه، والنفس تحب هذا وتألفه.

إنه لنبي عظيم كريم مع الصغير والكبير!

ويعلمه أن شأنه ليس كشأن سائر الناس، فقد تقع له المعجزات، أن يصير أمام أسامة أكثر من ذراعين للشاة الواحدة، معجزة وبركة لرسول الله -عليه أفضل الصلاة وأتم السلام-.

المشهد الخامس:

موقف لعائشة -رضي الله عنها-، وما أدراكم ما عائشة بالنسبة لرسول الله؟ كيف وقد سئل: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْكَ؟ قَالَ: ( عَائِشَةُ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

قالت عائشة -رضي الله عنها-: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي أَشْهُرِ الحَجِّ، وَلَيَالِي الحَجِّ، وَحُرُمِ الحَجِّ، فَنَزَلْنَا بِسَرِفَ، قَالَتْ: فَخَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: ( مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ مَعَهُ هَدْيٌ، فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ الهَدْيُ فَلاَ )، قَالَتْ: فَالْآخِذُ بِهَا، وَالتَّارِكُ لَهَا مِنْ أَصْحَابِهِ قَالَتْ: فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَرِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَكَانُوا أَهْلَ قُوَّةٍ وَكَانَ مَعَهُمُ الهَدْيُ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى العُمْرَةِ، قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: ( مَا يُبْكِيكِ يَا هَنْتَاهُ؟ ) قُلْتُ: سَمِعْتُ قَوْلَكَ لِأَصْحَابِكَ فَمُنِعْتُ العُمْرَةَ، قَالَ: ( وَمَا شَأْنُكِ؟ ) قُلْتُ: لاَ أُصَلِّي، قَالَ: ( فَلاَ يَضِيرُكِ، إِنَّمَا أَنْتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ، كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكِ مَا كَتَبَ عَلَيْهِنَّ، فَكُونِي فِي حَجَّتِكِ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْزُقَكِيهَا ) (متفق عليه) .

كان مِن هديه مخالفة المشركين وعاداتهم، وإظهار ذلك، وكان مِن أبرز المشاهد في ذلك؛ هذا المشهد الذي تقصه عائشة، وهو فعل العمرة في أشهر الحج، كانوا يرون ذلك مِن أفجر الفجور، وقد بدأ النبي بنفسه، فحج قارنًا، جمع بين العمرة والحج في أشهر الحج، وخيَّر أصحابه عند الميقات بفعلها وحثهم على فسخ الحج للعمرة لمَن ليس معه هدي عند "سرف"، الموقف الذى تقصه علينا عائشة، وأمر بالفسخ عند المروة، وكان مِن تقدير الله لعائشة أن تمنع منه؛ بسبب أنها جاءتها الحيضة وهي في الطريق إلى مكة عند هذا الموضع، وهنا تأتي هذه المعاملة الرقيقة من رسول الله، أن يلاطفها ويهدئ من روعها، ويواسها بكلمات عظيمة: ( إِنَّمَا أَنْتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ، كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكِ مَا كَتَبَ عَلَيْهِنَّ ) أي: الحيض، وانتِ لست نشازًا، سيصيبك حتما ما يصيبهن، فلا بأس عليك منه، ولا ضرر، ثم يحل المشكلة بأن يوجهها أن تفعل ما يفعل الحاج، إلا أمرًا واحدًا، وهو الطواف، وحينها لا تشعر بأسى ولا حزن، كلمات تنزل على القلب فتهدئه وتسليه، وتصبره،

وهذا من حسن عشرته، ومعاملته الحسنة الرقيقة، وصبره -عليه أفضل الصلاة، وأتم السلام-.

الصفحة السابقة الصفحة التالية