الفساد (24)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
هل الديمقراطية ديمقراطية (3-3)؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد انتشر الأخذ بالنظام الديمقراطي في أوروبا في القرن التاسع عشر الميلادي، ثم انتقل بعد ذلك وانتشر في باقي دول العالم، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، وسقوط أكبر الأنظمة الدكتاتورية فيها، ثم في العقود الأخيرة بعد سقوط الشيوعية وسقوط معظم النظم الاشتراكية ونظم الحزب الواحد.
وقد جعل ذلك البعض يقدِّس الديموقرطية ويظنها -مع الفكر الرأسمالي والليبرالي- أعلى ونهاية ما وصل إليه الفكر البشري؛ وعليه فيجب الأخذ بها دون الالتفات لغيرها، خاصة مع نجاحها على القضاء على الاستبداد الديني للكنيسة في أوروبا في القرون الوسطى، والقضاء أيضًا على الاستبداد السياسي والاقتصادي فيها، متجاهلين كل ما تكلم به -ويتكلم به- الكثير مِن المفكرين والمصلحين عن سلبيات الديمقراطية والرأسمالية والليبرالية، وإن أقروا استمرار العمل بها عندهم كأنسب المتاح حاليًا مِن الفكر البشري، مع السعي إلى الحد مِن سلبياتها، ومعالجة آثارها السيئة.
هل توافق الديمقراطية الإسلام؟
لا يصح أن يقال: هل يتفق الإسلام مع الديمقراطية؟ ولكن ينبغي أن يقال: هل تتفق الديمقراطية مع الإسلام؟ حيث إن:
1- الإسلام دين مِن عند الله -تعالى-؛ أنزله لهداية البشر، وتحقيق السعادة في الدنيا والآخرة، بينما الديمقراطية فكر بشري وضعي له إيجابياته وسلبياته؛ لذا طرأ -ويطرأ- عليه عند تطبيقه الكثير مِن المتغيرات والتعديلات، وتتفاوت الدول من الناحية العملية في تطبيقه، فللديمقراطية في كل بلدٍ تجاربها.
2- للإسلام نظامه السياسي المستمد من مبادئ عامة أساسية ثابتة جاءت مفصلة، حول التشريع والشورى والعدالة والمساواة والحريات، والتسامح والتعاون، على الوجه الذي بيَّنته الشريعة الإسلامية، لا على الفهم الغربي، وهي مبادئ ينبغي أن لا تتغير -بتفاصيلها- من زمان إلى زمان، إلى جانب أطر عامة جاءت مجملة غير مفصلة لتستوعب جزئيات وتفاصيل كثيرًا ما تتغير باختلاف الظروف السياسية والاجتماعية، أي أن الشريعة الإسلامية فصلت ما لا يقبل التغيير، وأجملت ما يقبل التغيير، وهذا هو السر وراء صلاحية الإسلام ككل -والنظام السياسي له على وجه الخصوص- لكل زمان ومكان، أو بتعبير أدق: أنه لا صلاح لأي مكان في أي زمان إلا بالنظام السياسي للإسلام؛ لما فيه مِن مرونة ومراعاة لمصالح العباد، تسمح بتغير في التفاصيل والجزئيات لتوافق متغيرات كل عصر وفكر، مع الالتزام بما لا يمكن مخالفته من مبادئ أساسية لسياسة المجتمع.
4- الإسلام هو الأسبق ظهورًا لا الديمقراطية.
5- ظهور الديمقراطية كان للقضاء على كل صور الاستبداد التي عانى منها الأوروبيون في القرون الميلادية الوسطي، ومنح الحريات العقائدية والسياسية والاقتصادية والفكرية والشخصية التي افتقدها الأوربيون خلال فترات الاستبداد التي عاشوها، ولكن الديمقراطية بعد أن نجحت في تحقيق ذلك في أوروبا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بالقضاء على صور الاستبداد القديمة، وتمكين الأغلبية من المشاركة في الحكم، ومراقبة الحكام ومحاسبتهم؛ تمادت في تسلطها حتى تحولت في كثيرٍ مِن صورها العملية إلى تحكم أقليات باسم الديمقراطية، وإلى طغيان فئات سياسيًّا واقتصاديًّا وفكريًّا باسم الحرية، حتى بدت في أعين البعض قد انتهى دورها، والإسلام بنظامه السياسي -شاء مَن شاء وأبى مَن أبى- هو ميزاننا في تقييم تجارب الديمقراطية في دول العالم، نرد منها ما يخالفه، ونقبل منها ما يوافقه.
اختلاف الآراء حول مبدأ سيادة الأمة:
يقول د."علي الباز" أستاذ القانون العام: لله السلطان وللأمة السلطات، فالله هو الخالق، وهو حاكم الكون كله، وله السادة والحكم والأمر، وله السلطان، وهو مصدره، ولكن للأمة السلطات، فالأمة مصدر السلطات في حدود الشريعة الإسلامية. وبالنسبة للسيادة التي يعرِّفها البعض بأنها هي السلطة العليا التي تملكها أعلى الهيئات العامة في الدولة تمارسها باستقلال كامل عن كل سلطة داخلية أو خارجية، فيختلف رجال الفقه الإسلامي والقانوني بشأن السيادة، ومَن يملكها، فيرى البعض: أن السيادة للأمة. ويرى المودودي: أن السيادة أو الحاكمية هي لله وحده وبيده التشريع. ويرى بعض الفقهاء: أن الأمة هي مصدر السلطات في الإسلام. ويرى الدكتور عبد الرزاق السنهوري: أن السيادة في الشريعة الإسلامية هي لله وحده؛ إلا أنه فوضها إلى الأمة جميعًا، وليس إلى فردٍ بعينه، ولو كان الخليفة أو هيئة عليا أيًّا كانت.
ويرى الدكتور عثمان خليل: أن الفقه الإسلامي لم يعتبر الوالي صاحب حق في السيادة، بل اعتبرها حقًّا للأمة وحدها، يمارسها الوالي كأجير أو وكيل عنها، ويعني هذا في جملته أن الأمة مصدر السلطات، وأن العلاقة بين الأمة والحاكم علاقة عقد اجتماعي، سمَّاه المسلمون (المبايعة) وجعلوه حقيقة لا افتراضًا، وهو الفهم الصحيح للسيادة في العصر الحديث.
ويرى الدكتور محمد كامل ليلة: "أن السيادة في الدولة الإسلامية تستند إلى إرادة الأمة التي تعمل في نطاق الشريعة الغراء، وتعتبر السيادة مسوغة ومشروعة على هذا الأساس، فإذا تجاوزت السادة نطاق أحكام الشريعة ولم تنسجم مع مصدرها وهو إرادة الأمة، فقدت أساس مشروعيتها".
ويرى الدكتور عبد الحميد متولي: "أن نظرية السيادة هي نظرية فرنسية نشأت في ظروف خاصة اقتضتها، وأصبحت الحاجة لا تدعو إليها الآن"، "فالله -سبحانه- هو الخالق، وهو حاكم الكون كله، ولا يأمر الله سبحانه إلا بالخير كله للإنسان والمجتمع الإنساني، ولا يمنع كونه -سبحانه- أن يكون حاكم الكون والخلق، أن يجعل في الأرض حكامًا ومحكومين، وهكذا كان خلقه لآدم وجعله خليفة في الأرض ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) (البقرة:30) ، و( يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) (ص:26) .