الفساد (24)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
إن القول بالحكم بما أنزل الله لا يتنافى أبدًا مع قاعدة أن يحكم الناس أنفسهم بأنفسهم -في حدود ما حرمه الله ونهى عنه-، وأن يضعوا القواعد والقوانين والقرارات ما يسيرون به أمورهم" (انظر: "الديموكتاتورية"، د. علي الباز، ص 189-190 بتصرف) .
هل ستنجح الديمقراطية في تحقيق الديمقراطية في بلادنا؟
هذا السؤال يترتب عليه عدة تساؤلات أخرى، ويحتاج إلى النظر الممعن في تجارب الآخرين في تطبيق الديمقراطية، وقبل ذلك التأمل الدقيق لتجربتنا الديمقراطية وإعادة للنظر فيها قبل استكمال مسيرتها في هذه الفترة الجديدة بعد ثورة 25 يناير 2011م، فلم نعد نملك رفاهية الوقوع في نفس الأخطاء، ولا يناسبنا -ونحن نعيد ترتيب أوراقنا- الغفلة عن حقائق نتجاهلها، بل يجب أن نشعر أجيالنا القادمة أننا استوعبنا -ولو شيئًا يسيرًا- مِن دروس الماضي القريب والبعيد، فلنفكر بصوتٍ مسموعٍ لنسمع مَن هم معنا، ولنشرك مَن يريد أن يشارك في صنع الخير معنا، ولنحفظ السفينة مِن الضياع أو الغرق أولًا، والوصول بها إلى شاطئ الأمان بعد ذلك ثانيا.
الغرب يريد لنا ديمقراطية تحفظ له مصالحه:
"رغم أن الدول الديمقراطية الغربية "الأوروبية والأمريكية" تشجع -كما هو معلوم- التحول نحو الديمقراطية في العالم النامي، فإنها تريدها ديمقراطية ذات مقاس خاص يناسب أهدافها، ويحفظ مصالحها، لا مصالح شعوب العالم النامي بالضرورة" (انظر: "صدمة الديمقراطية" تأليف الكاتب صلاح الدين حافظ، ط. مكتبة الأسرة - الهيئة المصرية العامة للكتاب - ط. عام 2001م، ص 227) .
ولعل غزو العراق بدعوى تحويله إلى الديمقراطية وتخليصه مِن الاستبداد وما ترتب عليه من فقد العراق لاستقلاله ونهب ثرواته، ونشر الفوضى العارمة فيه، ومعاناة شعبه المُرة في الداخل، وهروب الملايين مِن أبنائه إلى الخارج، ومقتل مئات الألوف من رجاله ونسائه خير دليل على ذلك.
والغرب يرى الفساد يترعرع في دول من العالم النامي باسم الديمقراطية، ويتغاضي عنه، بل قد يساند هذه الأنظمة الفاسدة ويدعمها، فإذا سئم منها انقلب عليها:
فمعظم نظم العالم النامي ديكتاتورية وتدعي الديمقراطية، وتتلقى المعونات والمساعدات المالية والعسكرية والفنية الأمريكية والغربية، وهي سلاح غربي محل اتهام دائمًا، يستفيد منه البلد المعني، ولكنه يلعب دورًا أساسيًّا في عملية الإفساد المنظم للشعوب الفقيرة مِن خلال الممارسات الفاسدة لتلك الأنظمة الديكتاتورية في التعامل مع تلك المعونات، إلى جانب أن الدول الغربية تستنزف جزءًا رئيسيًّا مِن هذه المعونات في غير مكانها لأتباع ومقربين مِن خلال شركات وتوكيلات وهمية يتم التغاضي عنها، بل تعود نسبة مِن هذه المعونات مباشرة للدول المانحة عن طريق الخبراء والوكلاء الغربيين، أو عن طريق إيداع أموال الحكام والمسئولين المسلوبة والمنهوبة في بنوك أوروبا وأمريكا، أي أن هذه المعونات تستنزفها نظم فاسدة وبتشجيع ضمني متعمد.
وهناك شركات ومؤسسات دولية عابرة للقارات تسيطر واقعيًّا على معظم أنشطة العالم الاقتصادية خاصة في البلدان النامية، وهي شركات ومؤسسات اقتصادها ليس اقتصادًا بحتًا وأمينًا، فمنه ما هو مغموس في الفساد ومتورط فيه بأشكالٍ وصورٍ مختلفةٍ.
وكم مِن فضائح رشوة وفساد تورطت فيها قيادات سياسية في نظم حكم -تدعي الديمقراطية وحكم الشعب- في دول نامية -قائمة أو راحلة- تمت عبر صفقات تجارية مشبوهة وعمولات مع الغرب في تجارة سلاح وتجارة مخدرات تفوق الخيال، ومعلوم أن صفقات السلاح تتدفق من الدول الصناعية الكبرى إلى الدول الصغيرة الفقيرة بصفقاتٍ هائلة الحجم ضخمة الثمن، عالية العمولة.
إن بقاء العرب خاصة والعالم الثالث عامة على ما هم عليه مِن تخلف واستبداد خير ضمان لمصالح الغرب.
ضرورة الإنصات للمعارضة وتوسيع دائرة الحوار السياسي:
"إن الاستقرار السياسي ضروري للإصلاح والاستقرار الاقتصادي، والإصلاح الاقتصادي ينبغي أن يأخذ في حسبانه العامل الاجتماعي"، والأزمة الاقتصادية المتصاعدة "أكبر مِن أن يواجهها فرد وحده، أو حزب بمفرده، أو حكومة وحيدة مهما كانت عبقريتها؛ فما بالك إذا كانت العبقرية أصلًا غائبة؟!"، "إن مواجهتها لم يعد ينفع فيها فكر رجل واحد أو حزب واحد وحكومة واحدة، إنما هي تحتاج لجهدٍ قومي يعيد صياغة المشروع الحلم، الأمل القومي في النهوض والارتقاء"، "ولن يتحقق ذلك إلا بإشراك كل القوى السياسية والاجتماعية، وإلا بتجنيد كل الطاقات الفكرية والعلمية داخل حوار قومي ديمقراطي مفتوح لكل الاجتهادات، يسقط الخلافات الشخصية، والعناد المتصلب، والحساسيات المذهبية والحزبية ضيقة الأفق، ضعيفة البصر والبصيرة" (انظر المصدر السابق، ص: 13، 33، 80) .
"إن قواعد الديمقراطية والليبرالية تتطلب المشي على قدمين اثنين: الأغلبية والمعارضة، وإلا عرجت التجربة وأصابها الكساح" (انظر المصدر السابق، ص 37) ، "وفي هذا الإطار يجب أن تؤخذ آراء ومواقف الأحزاب السياسية المختلفة في الحسبان، وأن توزن يشكل أدق، وبمقدار اجتهادها وثقلها في الشارع، وقدرتها على العمل، وتأثيرها في الرأي العام، حتى لا تصاب بالإحباط واليأس فالضمور، مهما كانت إسهامات أحزاب المعرضة في القضايا الرئيسية قليلة واجتهاداتها ضعيفة في نظر الفئة الحاكمة، فإن مراعاتها ضرورة سياسية لإحداث قدرٍ مِن التوازن في العملية الديمقراطية، فما بالك ومثل هذه الإسهامات كثيرة وإيجابية؟!" (المصدر السابق، ص 37 بتصرف) .