شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (24)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

"والأمر المؤكد أن سياسة تجاهل المعارضة، أي معارضة، ورفض كل ما يأتي عن طريقها -سواء كان سلبيًّا أو إيجابيًّا، وتعميم اتهامها بأنها لا تمارس إلا الإثارة، أو التشكيك في نواياها وبالتالي استبعادها عمليًّا، مع السماح لها رسميًّا في المشاركة السياسية، بل وتوسيع مضايقتها إداريًّا وأمنيًّا، قد ساهم في تعميق روح الصدام، حيث طفت على سطح المعارضة أصوات المتشددين الذين لا يرون أملًا في الحوار مع الحكومة ومؤيديها؛ لأنها سدت الطريق إلى الحوار، فوجب الانتقال إلى صدام أوسع وأعنف، وحين صعدت إلى مقدمة الحكومة ومؤيديها أصوات مقابلة تردد بلا ملل ضرورة تأديب المعارضة وتحجيم نشاطها وكسر أنفها" (المصدر السابق، ص 37 بتصرف) .

لقد خذلت معظم الانتخابات في عهد مبارك الرأي العام، مِن خلال التزوير "فلم يعد السؤال المطروح هو: هل يجب علينا أن نذهب إلى صناديق الانتخابات؟ ولكن السؤال المطروح فعلًا وقولًا هو: هل إذا ذهبنا إلى صناديق انتخابات سنرى النتائج تعلن وفق ما قالته أصواتنا في الصناديق؟" (المصدر السابق، ص 165) .

"لقد حكمت المحكمة الدستورية العليا ببطلان انتخابات مجلس الشعب المصري أكثر من مرة" (المصدر السابق، ص 31) ، وأبطل القضاء مجلس الشعب أربع مرات فيما بين عامي: 1986م و2000 م (المصدر السابق، ص 170) .

إن أغلبية الأحزاب بعد السماح بتكوين الأحزاب في مصر اكتسبت وجودها على الخريطة السياسية نتيجة أحكام قضائية، مثل: الوفد، والأمة، والخضر، ومصر الفتاة، والحزب الناصري، بينما نشأت الأحزاب الأربعة الأقدم: الحزب الوطني، والعمل، والأحرار، والتجمع طبقًا للقانون رقم 40 لسنة 1977م الخاص بتنظيم الأحزاب وتعديلاته (راجع المصدر السابق، ص 140) .

واختفت في عهد مبارك بعض الأحزاب رسميًّا: كحزب العمل، وانقسم بعضها مِن الداخل، وانشغل بقضاياه: كحزب الوفد، وضيقت دائرة الحوار السياسي والعمل السياسي، فلم يسمح لغير الحزب الحاكم بالكلام أو العمل السياسي، وجاءت آخر الانتخابات في عهد مبارك في 2010م بإسكات كل المعارضة غير المستأنسة، وإبقاء قلة من المعارضة رآها النظام ضرورية للحفاظ على ديكور الديمقراطية في البلاد، ولعل ذلك كان من أسباب التعجيل بثورة 25 يناير 2011م.

"إن إهدار حق المعارضة إهدار لكل الممارسة الديمقراطية، فلا ديمقراطية دون الرأي والرأي الآخر، ولا برلمان دون أغلبية ومعارضة، ولا تقدم دون تنوع الآراء وتعدد الأفكار في مناخ حر"، "فقواعد الديمقراطية التي تأخذ برأي الأغلبية المؤيدة تفرض تسجيل اعتراض الأقلية المعارضة وحفظ حقها في الخلاف"، وحرمان الأقلية المعارضة مِن هذا الحق، والتضييق عليها، بل وإهدار حريتها أو كرامتها أو دمها يجعل البعض مِن المتشددين في المعارضة يقرر بالمثل إهدار حق الأغلبية أو يستبيح عرضها أو دمها!

لقد عانت دول العالم الثالث مِن ديكتاتورية نظم ديمقراطية كان سلاح الإهدار السياسي هو السائد فيها بين الأحزاب المتنافسة "عندما كانت الخطوة الأولى التي يتخذها الحزب فور وصوله للسلطة هي فصل جميع مناصري وأعضاء الحزب المنافس مِن الوظائف العامة، ليست عقابًا شخصيًّا لهؤلاء فحسب، لكنها في الأساس إجراء سياسي لحرمان الحزب المنافس مِن كل مراكز قوته وتأثيره في المسرح السياسي، وداخل السلطة التنفيذية، أي إهدار حقه بالكامل" (المصدر السابق، ص 109 - 110 بتصرف) .

الفساد باسم الانفتاح الفساد باسم الديمقراطية:

من الصور الشائعة في النظم الديمقراطية محاولة أصحاب المال والأعمال رغم محدوديتهم الاحتماء داخل سراديب الأحزاب والتدثر بشعارات الديمقراطية حتى لا يقترب أحدٌ مِن مصالحهم، خاصة إذا صاروا أصحاب الصوت الأعلى داخل أحزابهم، خاصة حزب الأغلبية، بل قد يلعبون دورًا في الإيقاع بين نظام الحكم وأحزاب المعارضة، خاصة الأحزاب أسيرة الصفوة، وبالتالي إغراق الساحة السياسية في معارك هامشية، تتراجع معها القضايا الوطنية الرئيسية في سلم الأولويات، مع المزايدة على كل شيء (المصدر السابق، ص 45 بتصرف) .

ولقد أساء البعض منا فهم الحرية، فأساء ممارسة الديمقراطية، و(للأسف الشديد سادت مفاهيم مغلوطة وقيم شاذة تارة: باسم الانفتاح، وتارة: باسم الديمقراطية، وكلاهما براء مما يزعمون؛ لأن تلازم التحول الاجتماعي بإفرازاته المتتالية مع الفهم المغلوط للحرية، في مجتمع مليء بالمشاكل الاقتصادية والاجتماعية الضاغطة قد شجع على سقوط قيم وأفكار: كالشرف والأمانة، والعمل الذهني واليدوي، وصعود قيم وأفكار مناقضة: كالسلب والنهب، والهبر السريع. وإذا بقياس الزمان الشائع هو الثراء ولو كان مجهول المصدر، وإذا بالنتيجة هي اتساع شريحة الأثرياء الجدد أصحاب الثروات المفاجئة على حساب اتساع قاعدة ملايين الفقراء".

"والثراء لا يعنينا، فليس في قلوبنا حقد اجتماعي، وإن كان الوضع يورث الحقد في نفوس كثيرٍ مِن البسطاء، ولكن الذي يعنينا ويعني كل وطني غيور حقًّا هو هذا الخلل الاجتماعي الذي أنشب مخالبه في المجتمع"، "حيث تعاونت الثروة مع الانحراف، والإسراف السفيه، مع هبوط المستوى الثقافي والتعليمي، وتراجع دور التربية ليس فقط في المدارس والمعاهد والجامعات ولكن في الأسرة، الخلية الأولى لبناء المجتمع" (المصدر السابق، ص 57 - 59 بتصرف) .

وامتد الأمر إلى الإعلام بوسائله المختلفة وتأثيره الواسع فصار "يدور حول العنف والجنس والمال والجريمة، في مجتمع يعاني من الفقر والديون، ووجع المعاناة" (انظر المصدر السابق، ص 52) .

"إن النماذج التي تقدمها أفلام التليفزيون والسينما والفيديو، نماذج شاذة وغير متوافقة مع البيئة المصرية، لكن ملايين الأسر أمام المسلسلات والأفلام المحلية والمستوردة تأثرت بها ووقعت أسيرة الزيف التي تروج لها، في غياب تربية اجتماعية رشيدة، فكل زوجة خائنة، وكل زوج له عشيقة، وكل رجل له حياة خفية، وكل ابن يتناول الممنوعات في المدرسة أو النادي، وكم مِن أسرة انهارت وبيوت دُمِّرت بسبب المحاكاة الزائفة والتقليد الأعمى، والأثر المنحرف لنماذج فنية تستغل شكل الديمقراطية والحرية دون مضمونها الحقيقي!" (المصدر السابق، ص 59 بتصرف) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية