صفات عباد الرحمن (1) العبودية
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
الغرض مِن الموعظة:
- هي سلسلة مواعظ، الغرض منها تعريف المسلمين بالصفات التي تؤهلهم لدخول الجنة.
المقدمة:
- ذكر الآيات التي تحمل الصفات: قال الله -تعالى-: ( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا . وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا . وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا . إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا . وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا . وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا . يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا . إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا . وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا . وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا . وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا . وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا . أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا . خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا . قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ) (الفرقان:63-77) .
مناسبة الآيات:
قال القرطبي -رحمه الله- في التفسير: "لما ذكر جهالات المشركين وطعنهم في القرآن والنبوة، ذكر عباده المؤمنين أيضًا، وذكر صفاتهم، وأضافهم إلى عبوديته تشريفًا لهم".
- الإشارة إلى الصفات التي اشتملتها الآيات: (العبودية - التواضع - الحلم - قيام الليل - الخوف من الله - الاعتدال في الإنفاق - تحقيق التوحيد - تعظيم حرمة الدماء - اجتناب الفواحش - المواظبة على التوبة - اجتناب الزور - الإعراض عن اللغو - المسارعة في الاستجابة - إصلاح الأهل والذرية - انتظار الجزاء الصالح في الأخرة).
الصفة الأولى: العبودية:
- الإشارة إلى أن هذه عبارة يسيرة في سياق وعظي لبيان قضية العبودية، وكيف أنها أم الصفات الآتية.
- الإشارة إلى مجمل كلام المفسرين حول عطف جميع الصفات على العبودية: قالوا: "لما ذكر الكفار بالفظاظة والغلظة على النبي -صلى الله عليه وسلم- وعداوتهم له ومظاهرتهم على خالقهم، وختم الحديث عنهم وعن عدم انتفاعهم بالآيات الكونية، فعباد الشيطان لا يتذكرون، ولا يشكرون لما لهم مِن القسوة، عطف على هذا المقدّر أضدادهم واصفًا إياهم بأضداد أوصافهم مبشرًا لهم بضدِّ جزائهم، فقال: ( وَعِبَادُ الرَّحْمَن... ) فأضافهم إليه رفعة لهم، وإضافتهم إلى صفة الرحمن أبلغ عندما أنكر الكفار هذه الصفة".
- الإشارة إلى تناول الحديث من خلال ثلاثة عناصر وخاتمة، هي ثلاث مسائل في قضية العبودية.
(1) العبودية صفة الخلق جميعًا:
- الخلق جميعًا مؤمنهم وكافرهم، حيوانهم وجماده، عبيد لله طوعًا أو كرهًا، فهو سبحانه رب العالمين، وخالقهم ورازقهم، ومحييهم ومميتهم، ومقلب قلوبهم، ومصرف أمورهم، لا رب لهم غيره ولا مالك لهم سواه، ولا خالق لهم الا هو، سواء اعترفوا بذلك أو أنكروا، وسواء علموا ذلك أو جهلوه: قال الله -تعالى-: ( أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ) (آل عمران:83) ، وقال: ( إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ) (مريم:93) .
- المؤمن عابد لله -عز وجل- طوعًا "فهو يقوم بواجب العبودية الشرعي"، والكافر معبد مذلل مقهور لله كرهًا "فهو يرفض العبودية الشرعية ويتمرد عليها" وإن أقر بالعبودية الكونية: قال -تعالى- عن الفراعنة: ( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ) (النمل:14) ، وقال عن كفار أهل الكتاب: ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (البقرة:146) ، وقال عن كفار قريش: ( فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ) (الأنعام:33) ، وقال عن الكفار عمومًا: ( وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ ) (يوسف:106) .
(2) العبودية وظيفة العمر:
- العبودية أعظم قضية؛ لأنها وظيفة الإنسان في الدنيا: قال -تعالى-: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) (الذاريات:56) ، وقال: ( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) (الحجر:99) .
- أعان الله الإنسان على العبودية بأن فطره عليها: قال -تعالى-: ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ) (الأعراف:172) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَثَلِ البَهِيمَةِ تُنْتَجُ البَهِيمَةَ هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ ) (متفق عليه) .