صفات عباد الرحمن (1) العبودية
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
- ثم أرسل إليه الرسل ليذكروه بذلك وليثبتوا على العبودية: ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) (النحل:36) .
- الذين غيَّروا فطرة العبودية، تبقى آثارها في نفوسهم بما يدل على حاجتهم إلى التعبد والتأله، وأكثر ما يظهر ذلك في الغفلات وعند الشدائد والمحن: (انظر إلى الشيوعيين الملاحدة، فإنهم يمارسون التعبد الباطل وهم لا يشعرون، ويناقضون أنفسهم، فإنهم إذا مروا أمام الجثة المحنطة لمؤسس الشيوعية "ستالين" في الميدان الأحمر في ذكرى وفاته، لا بد من الانحناء وإظهار الخشوع والتذلل!)، وقال -تعالى- عن المشركين في المحن: ( فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ) (العنكبوت:65) .
(3) مفهوم العبودية لله -عز وجل-:
- العبودية تقتضي اجتماع الحب والذل والخضوع لله -عز وجل-، وكلما زادت هذه المعاني زادت العبودية وزاد قدر العابد: قال -تعالى-: ( كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب ) (العلق:19) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ ) (رواه مسلم) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) ، وهذا لما يشتمله مِن هذه المعاني. وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ ... ) (رواه أحمد وابن حبان، وصححه الألباني) ، وفي حديث مقتل عمر -رضي الله عنه- قال لابنه: "ضَعْ خَدِّي عَلَى الأَرْضِ، فَقُلْتُ: وَمَا كَانَ عَلَيْكَ كَانَ فِي حِجْرِي أَوْ عَلَى الأَرْضِ؟ فَقَالَ: ضَعْهُ لا أُمَّ لَكَ، فَوَضَعْتُهُ، فَقَالَ: وَيْلِي، وَيْلٌ لأُمِّي إِنْ لَمْ يَرْحَمْنِي رَبِّي" (المحتضرين لابن أبي الدنيا) .
- ولذا كان وصف العبودية أعظم تكريم للإنسان، فقد وصف الله به صفوة البشر: فقال -تعالى-: ( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ) (الصافات:171) ، وقال عن صفوتهم: ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِه... ) (الإسراء:1) ، وقال: ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ ) (الكهف:1) ، وقال: ( تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ ) (الفرقان:1) .
- فليحذر الإنسان أن يجمع هذه المعاني للمخلوق، وإلا تسرب الشرك مِن حيث لا يدري: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمِ، وَالقَطِيفَةِ، وَالخَمِيصَةِ ) (رواه البخاري) (1) .
(4) خاتمة: أهمية الترقي في وظيفة العمر:
- كثير من الناس يرضى بالدون في وظيفة العمر العظمى: "العبودية"، ولا يرضى بذلك في وظائف الدنيا، فيجعل العبودية محصورة داخل المسجد ويفصلها عن الحياة أو يقيم مِن العبودية أركان العبادات دون ما يتفرع منها مِن عبادات، في الوقت الذي لا يرضى إلا بأعلى الدرجات في وظائف الدنيا، ولا يرضى من الدنيا بمسكن ذات أعمده فقط! قال -تعالى-: ( قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) (الأنعام:162-163) .
- ينبغي أن تعمل للترقي في وظيفة العمر التي آثارها باقية تدوم، كما تسعى في الترقي في وظيفة الدنيا التي آثارها فانية ولا تدوم: "صنعَ ملك مِن ملوك الدنيا قصرًا عظيمًا ثم دعا الناس للنظر إليه، ووعد مَن يرصد فيه عيبًا بجائزة قيمة، فجاء الناس فجعلوا ينظرون ويعجبون ولا يستطيعون استخراج عيبٍ واحدٍ، حتى جاء رجل فنظر فقال للملك: إن فيه عيبين عظيمين! فقال الملك: وما هما؟ قال: مالكه سيموت، والقصر سيفنى، ليس غير الله يبقى، قال -تعالى-: ( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ) (آل عمران:185)، وقال سبحانه-: ( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ) (الرحمن:26) " (2) .
فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لم يقل -صلى الله عليه وسلم-: "تعس جامع الدينار" وإنما عبَّر بالعبودية؛ لأنه جمع معانيها لهذه الأشياء بدرجةٍ أو بأخرى، أو أنه عظم حبه لهذه الأشياء، فجعله يذل ويخضع لأسبابها التي تؤدي به إلى الشرك، وفيه قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا ) (رواه مسلم) .
(2) انظر رسالة العبودية لشيخ الاسلام ابن تيمية، ورسالة العبودية وظيفة العمر لشيخنا د. ياسر برهامي، ففيهما المزيد.