شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (25)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

منظمات المجتمع المدني أداة للإصلاح والتغيير أم وسيلة للإفساد؟ (1-3)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فما بين أصحاب السلطة في قمة الدولة وبين الأسرة التي هي أصغر لبنة في المجتمع، توجد الكثير مِن الجماعات والجمعيات والتنظيمات التي تشغل المجال الكائن بين السلطة والأسرة، يُطلق عليها مصطلح: (المجتمع المدني)، والذي مِن مهامه -في المفهوم الغربي-: الوقوف إلى جانب أفراد المجتمع ككل -أو بعض فئاته- في مواجهة تعسف وظلم السلطة في النظم الديكتاتورية، أو السعي إلى إحداث التغيير والتوجه الإصلاحي نحو الديمقراطية في النظم الاستبدادية، أو تقوية التوجه الديمقراطي الموجود في النظم الأخرى.

ووجود هذه التجمعات فعليًّا يتوقف على الهامش المتاح لها، فهو معدوم في الأنظمة الشمولية والديكتاتورية، وهو هامش محدود في ظل النظم الاستبدادية، وهو أفضل حالًا مِن جهة الكم وحرية التحرك في النظم التي تأخذ بالديمقراطية.

والمجتمع المدني معروف مِن قديم الزمان في فكر الفلاسفة القدامى، وفي واقع العديد مِن الأمم، ولكنه توارى -خاصة في أوروبا- في ظل الاستبداد السياسي والإقطاعي الذي ساد أوروبا في القرون الميلادية الوسطى -عصور التخلف والانحطاط هناك-، ثم عاد بمفاهيم جديدة مع النهضة الأوروبية الحديثة ليتناسب مع الترويج للديمقراطية ثم للعولمة، خاصة مِن خلال علم الاجتماع السياسي ومفكريه، ومن خلال النشطاء السياسيين.

وقد تعاظم دور المجتمع المدني عالميًّا بعد التسعينيات من القرن العشرين عقب سقوط الاتحاد السوفيتي ومَن كان يدور في فلكه مِن نظم شمولية؛ خاصة دول أوروبا الشرقية، ودول أمريكا اللاتينية.

ونظرًا لأهمية تحديد ملامح منظمات المجتمع المدني، وبالتالي قياس وتقييم أدوارها؛ كان مِن الأهمية بمكان التوافق بقدر الإمكان حول تعريف المجتمع المدني وبيان مكوناته.

ما المراد بالمجتمع المدني؟

المجتمع المدني: "هو مجموعة التنظيمات التطوعية المستقلة ذاتيًّا، التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة، وهي غير ربحية، تسعى إلى تحقيق منافع أو مصالح للمجتمع ككل، أو بعض فئاته المهمشة، أو لتحقيق مصالح أفرادها، ملتزمة بقيم ومعايير الاحترام والتراضي، والإدارة السلمية للاختلافات والتسامح وقبول الآخر". وهذا يعني أن لتنظيمات المجتمع المدني سمات تتصف بها، إن فُقدت سمة منها خرجت بها عن اسم المجتمع المدني وعن الانتماء إليه.

ومِن هذه الصفات:

1- أنها مستقلة عن الأجهزة الحكومية.

2- أنها تطوعية، أي: الانضمام لها هو فعل حر تطوعي، لا بجبر أو فرض، بخلاف العضوية والانتماء للأسرة أو القبيلة أو العشيرة، فالفرد عضو فيها بلا اختيار منه؛ لذا فالأسرة ليست من تنظيمات المجتمع المدني.

3- أنها جزء منظم من المجتمع؛ وبالتالي فهي تعمل وفقًا لشروط وقواعد ترتضيها.

4- أنها تدير شئونها مِن خلال آليات ذاتية محددة.

5- أنها غير هادفة للربح، وهذه سمة أساسية في التعريف، وإذا حققت أرباحًا أو دخلًا من خلال بعض أنشطتها، فيوجَّه ويقدَّم لأنشطةٍ أخرى للمنظمة، ولا يوزع على مجالس الإدارة أو أعضاء المنظمة.

6- أنها تهدف إلى تحقيق النفع العام للمجتمع ككل، أو تحقيق مصالح لفئة أو لبعض فئات مهمشة في المجتمع، أو مظلومة، أي: تسعى للتعبير عن مصالح أعضائها.

7- أنها لا تسعى إلى السلطة، فهي لا تقوم بنشاط سياسي، ولا تتبع حزبًا من الأحزاب؛ لذا لا تدخل الأحزاب السياسية ضمن مكونات المجتمع المدني، كما أنها لا تقوم بوظائف المؤسسة الدينية.

8- أنها تقوم على الاحترام المتبادل حتى مع اختلاف الآراء، مع تقبل فكرة التوافق والتراضي والإدارة السلمية للاختلافات، باعتبار ذلك جوهر الديمقراطية والثقافة المدنية.

وحدات المجتمع المدني:

المراد بوحدات المجتمع المدني: مجموع الوحدات المتنوعة التي تتشكل منها منظومة المجتمع المدني وتتطابق مع تعريفه، وهناك حاليًا وحدات متفق عليها، وهناك وحدات تم استبعادها، فمِن الوحدات المتفق عليها: المنظمات غير الحكومية - المنظمات الحقوقية - منظمات الأعمال - الاتحادات العمالية - الجماعات المهنية (كالنقابات) - النوادي الاجتماعية والرياضية غير الربحية - الجامعات غير الربحية (بمعايير تبعدها عن قطاع الجامعات الخاصة).

وقد ثار الجدل حول بعض الجماعات المهنية، منها:

1- بعض النقابات التي تكون العضوية فيها إجبارية لممارسة المهنة كنقابة الأطباء، فليس الانضمام لها أمرًا تطوعيًّا حرًّا، بل هو جبرًا، فهي تفتقد أحد معايير المجتمع المدني، ونظرا لدورها المهم الفعال في عملية التحول الديمقراطي، فتم ضمها إلى الجماعات المهنية في المجتمع المدني، واعتبارها حالة حدية، تقع تحت مصطلح (الجماعات الرمادية) أو في (المنطقة الرمادية).

2- النقابات العمالية والاتحادات العمالية في أغلب الدول العربية تفتقد -رغم أن العضوية فيها اختيارية- شرط الاستقلالية عن الدولة وفقًا للتشريعات القائمة بتلك الدول، والتي تسمح بالتعيين في بعض المواقع القيادية في النقابات العمالية، ولا تخلو مِن تدخل الدولة في انتخاباتها أو توظيف أدوات للسيطرة عليها، وقد ضُمّت أيضًا لأهمية دورها كحالة حدية إلى المجتمع المدني (في المنطقة الرمادية).

3- كما ثار الجدل حول النوادي والجامعات غير الربحية فلا يعد ضمها لمكونات المجتمع المدني أمرًا مطلقًا؛ إذ قُيِّد بقيودٍ، منها: حجم الاشتراكات للعضوية فيها، ومدى استقلاليتها عن الحكومة وابتعادها عن مؤسسات القطاع الخاص، واشتراط توجيه ما قد يتحقق لها مِن أرباحٍ أو فائضٍ إلى تطوير نشاطها الرياضي أو الاجتماعي أو العملية التعليمية فيها؛ فلا توزع الأرباح على ملاكها أو مجالس إدارتها.

ومِن الوحدات التي تم استبعادها من المجتمع المدني:

1- الأحزاب السياسية: فرغم أهميتها فقد تم استبعادها مِن دراسات المجتمع المدني لسببين: الأول: سعيها للسلطة، إذ يشترط في مكونات المجتمع المدني عدم الانخراط في السياسة. والثاني: خشية تأثيرها على المجتمع المدني نفسه والتضييق عليه وتقييده حال وصولها للسلطة.

الصفحة التالية