الفساد (25)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
دائرة مِن دوائر منظمات المجتمع المدني تتميز بعامل التطوع، وقد ارتبطت فكرة العمل التطوعي التقليدي في المجتمع من خلال روابط الدم والقرابة والجيرة، والتوجهات الدينية، لكنها نمت وتطورت بدرجةٍ كبيرةٍ في العصر الحديث، فأصبحت تلامس احتياجات مختلفة جديدة من حماية المستهلك إلى حماية البيئة، وتمتد إلى الحقوق والتنمية، وتعرف بأنها: "منظمات لا تهدف إلى الربح، تبنى على مبدأ التعاون، وتعمل في نطاق النشاطات الدولية، وتتلقى دعمًا فنيًّا".
وقد اعتبرت الأمم المتحدة المنظمات التطوعية هي: "التي تعمل بشكلٍ إداريٍ حرٍّ؛ لمساعدة الآخرين دون الحصول على أرباح مادية، وتسعى للنفع العام" (المصدر السابق، ص: 74) .
المنظمات الأهلية:
في المنطقة العربية يستعمل البعض مصطلح المنظمات الأهلية مرادفًا لمصطلح المنظمات غير الحكومية الشائع في كل دول العالم، ويستعمل مصطلح المجتمع الأهلي كمرادفٍ لمصطلح المجتمع المدني، ويرجع تفضيل استخدام هذين المرادفين في المنطقة العربية -وهما منتشران في الأدبيات والإعلام والمؤتمرات-؛ لكون مصطلح المجتمع المدني مصطلح وافد يرتبط بسياق ثقافي واجتماعي غربي يختلف عن السياق العربي والثقافة العربية الإسلامية، حيث علاقات الأقارب والعشائر والبعد عن مفاهيم الحريات والمواطنة والديمقراطية على الطريقة الغربية.
في المقابل يتحفظ بعض الباحثين في علم الاجتماع السياسي على مصطلحي: المنظمات الأهلية والمجتمع الأهلي؛ لكونهما يستندان إلى ثقافةٍ تستند على العائلية والعصبية والقبلية بينما يقوم مفهوم المجتمع المدني على التعددية وقبول الآخر والانفتاح الديمقراطي والحوار (راجع المصدر السابق، ص 75، 80 - 81) .
الحركات الاجتماعية:
تمثِّل الحركات الاجتماعية أشكالًا اجتماعية تتكون مِن أشخاص ومجموعات متشابكة معًا، وهي تعبِّر من خلال الأفعال الجماعية عن الاحتجاج، وذلك لأجل تغيير العلاقات الاجتماعية والسياسية أو التأثير في التغييرات التي تحدث، وهي لا تعد مِن منظمات المجتمع المدني، لافتقادها الهيكل التنظيمي، ولافتقادها للاستمرارية إذ تظهر وترتبط بحدث وتنفض وتنتهي بانتهائه.
ومِن أشهر الحركات الاجتماعية: الحركات الطلابية، والحركات المناهضة للسلطة، والحركات النسائية، وحركات البيئة، وحركات السلام (راجع "المجتمع المدني: النظرية والتطبيق السياسي"، تأليف: فرانك آدلوف، ترجمة: د. عبد السلام حيدر - ط. مكتبة الأسرة 2009م، ص 137 - 142) .
ولعل مِن أشهر مِن صورها في مصر: مظاهرات طلاب الجامعات في فبراير 1968م في عهد عبد الناصر احتجاجًا على الأوضاع بعد هزيمة يونيو 1967م، ومظاهرات الطلاب في بعض الجامعات في عهد السادات احتجاجًا على استقبال السادات لشاه إيران المخلوع في مصر، وحركة شباب 6 أبريل احتجاجًا على الأوضاع في عهد مبارك، وقد حوَّلت الأخيرة الاهتمام بشبكة الفيس بوك إلى ظاهرة مجتمعية وسياسية تثير اهتمام الباحثين وفضول المواطنين، ونجحت في تنظيم وقفات احتجاجية وإضرابات خلال عامي 2008م و2009م.
منظمات حقوق الإنسان:
تصاعدت في العقود الأخيرة في سياق العولمة الاهتمام بقضايا التنمية البشرية والتحول الديمقراطي، ومن أشهرها قضايا حقوق الإنسان التي يلزم توافرها لكل البشر دونما تمييز، وقد بدأ تقنين هذه الحقوق دوليًّا مع إعلان ميثاق الأمم المتحدة الصادر في 1945م، ومع صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في عام 1948م، وتأسيس منظمات حقوق الإنسان (المنظمات الحقوقية).
وتعرف منظمات حقوق الإنسان بأنها: "تلك المنظمات التطوعية غير الحكومية التي تتبنى المواثيق والعهود الدولية لحقوق الإنسان، وتعمل في مجال الدعوة إلى حماية حقوق الإنسان واحترامها، ونشر الوعي بهذه الحقوق، ورصد ومتابعة أوضاع حقوق الإنسان، وفضح الانتهاكات لها -في حالة وجودها- والعمل على وقفها، ومراقبة الحكومات سلوكيا وتشريعيا إزاء قضايا حقوق الإنسان".
وترجع أهميتها لأمورٍ، منها:
1- اعتبارها من علامات ومؤشرات التحول والتطور الديمقراطي في الدولة.
2- ازدياد الاهتمام الدولي بقضايا حقوق الإنسان، واعتبارها أحد عناصر الإصلاح السياسي في العالم.
3- أهمية دورها في رصد انتهاكات حقوق الإنسان وتقصيها وكشفها.
4- ما تتلقاه هذه المنظمات في العقود الأخيرة من دعم مالي وسياسي وفني كبير يهدف إلى إقامة شبكات دفاعية إقليمية ودولية.
5- كونها من أهم تداعيات ومظاهر العولمة، خاصة مع انهيار الحواجز بين الأمم والكيانات المختلفة، وتقلص -أو عجز- دور الدولة في السيطرة على تزايد وتنامي دور التأثيرات الخارجية على الأوضاع الداخلية.
وهي منظمات تتبنى رؤية حقوقية نقدية للواقع المجتمعي لإحداث التغيير الاجتماعي والسياسي وتنطلق من قناعات ومبادئ عبرت عنها مواثيق واتفاقيات حقوق الإنسان، سواء السياسية والمدنية أو الثقافية والاقتصادية والاجتماعية.
وتواجه هذه المنظمات خاصة في منطقتنا العربية بعض الإشكاليات منها:
أ- عدم الاعتراف بها، أو الاعتراف بها مع التضييق عليها ومحاصرة أنشطتها.
ب- أن طابعها نخبوي غالبًا، فهي تفتقد النفاد إلى الرأي العام، وليس لها قاعدة شعبية عريضة.
ج- تتوقف في نشاطها على مدى العمل بالديمقراطية، ووجود الإدارة الرشيدة للحكم (الحوكمة).
د- الاعتماد شبه الكامل على مصادر التمويل الخارجية (الأجنبية)، وهذا يهدد دائمًا استمرارها، ويشكك في استقلاليتها وعدم تبعيتها لأي أجندات خارجية (راجع في ذلك: "الموسوعة العربية للمجتمع المدني"، ص: 119 - 128) .
ولا تخلو منظمات حقوق الإنسان خاصة -والعديد من منظمات المجتمع المدني عامة- من سهام الانتقاد، ويمكن تقسيم الانتقادات الموجهة في هذا المجال إلى قسمين رئيسيين:
القسم الأول: أوجه النقد الموجهة للمصادر الوضعية.
القسم الثاني: أوجه النقد الموجهة لبعض المنظمات الحقوقية.
أهم الأوجه النقد الموجهة للمصادر الوضعية:
1- أنها في معظمها وُضعت في وقت كانت فيه غالبية دول العالم -وخاصة الدول العربية والإسلامية- محتلة عسكريًّا، كميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
2- عكست ثقافة المنتصر (العولمة).