شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (26)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

منظمات المجتمع المدني أداة للإصلاح والتغيير أم وسيلة للإفساد؟ (2-3)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد مرَّ المفهوم الغربي للمجتمع المدني برحلةٍ طويلةٍ عبر التاريخ، قبل الاستقرار على المعنى السائد حاليًا مع بداية الألفية الثالثة، فقد ظهر اسم المجتمع المدني في أوروبا لأول مرة تاريخيًّا عند (أرسطو) (384 ق م - 322 ق م)، الذي يشير المصطلح عنده إلى تجمع سياسي أفراده مِن مواطني الدولة يعترفون بقوانينها ويتصرفون وفقًا لها، فلا تمييز عنده بين الدولة والمجتمع المدني.

وبعد فترة طويلة من الاستبداد السياسي والإقطاعي في أوروبا، بدأ الاتجاه إلى التمييز بين الدولة والمجتمع المدني، وذلك مع قرب الدخول في القرن التاسع عشر وظهور الثورات الديمقراطية في إنجلترا والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، حيث طرح (آدم فيرجسون) (1723م - 1816م) فكرة مضاعفة التجمعات المدنية للمواطنين في مجالات الحياة الاجتماعية، والتي تختلف عن المنظمات والمؤسسات الحكومية، لتقوم بحماية المواطنين من مخاطر الاستبداد السياسي وعسكرة النظام السياسي (راجع: أسرى المال السياسي: وثائق التمويل الأجنبي السري لمنظمات مصرية، تأليف عبد القادر شهيب - ط. مكتبة الأسرة 2015 م - ص 26 - 29) .

كما صمم (مونتسكيو) (1689م - 1755م) صياغة المجتمع المدني بما يقترب من المفهوم الحالي، بوصفه دائرة تتوسط بين سلطة الدولة والمواطنين كأفراد، ثم جاء (توماس باينيس) في كتابه: (حقوق الإنسان) الذي أصدره عام 1791م ليميز فيه بوضوح بين الدول والمجتمع المدني من خلال وجود حكومة بسيطة غير مهيمنة ومجتمع مدني حر، وقد بنى فكرته تأثرًا بانتصار الثورة الفرنسية وبالثقافة السياسية الأنجلوسكسونية، إلى جانب إيمانه وحرصه على الحقوق الطبيعية للإنسان، فرأى تقليص هيمنة الدولة لصالح المجتمع المدني.

وعلى خلاف فكر (توماس) جاء الفيلسوف الألماني (فريدريك هيجل) (1770م - 1831م) ليطالب بدولة قوية تتفوق على المجتمع المدني، متأثرًا بما كانت عليه حالة البرجوازية مِن ضعف في ألمانيا وقتها، في مقابل تمتع الأرستقراطية البروسية بامتيازات كبيرة، والحاجة لتقوية الدولة الألمانية لفرض سياستها التنموية على جميع السكان الألمان، فهيجل لم يكن يؤمن بالحقوق الطبيعية للإنسان وبالتالي بالحقوق الطبيعية للمجتمع المدني في مقابلة الدولة، والدولة عنده ينبغي أن تكون قوية، وهناك بين الدولة والمجتمع المدني مواجهة تقوم على المصالح الاقتصادية، فالمجتمع المدني هو مجموعة من الأفراد من طوائف غير منتمية لطبقات اجتماعية تعمل طبقا للقانون المدني، يمثل دائرة أخلاقية تقع بين العالم العائلي البسيط والدولة عالية التميز (المصدر السابق: 27 - 28) .

فـ"المجتمع المدني في غياب الدولة هو مجتمع يسوده الفرقة والصراع والتمزق لتجسيده المصالح الخاصة للأفراد والمتعارضة في الكثير من الأحيان، ولهذا لا يتحقق له الاستقرار والوحدة إلا في وجود الدولة" (راجع مفهوم المجتمع المدني: قراءة أولية، تأليف علي عبد الصادق - ط. مكتبة الأسرة 2007 م - ص: 29) .

ومفهوم هيجل هذا يتفق مع مفهوم (كارل ماركس) (1818م - 1883م) الذي يرى المجتمع المدني ساحة للصراع الطبقي طبقًا لنظريته الماركسية حول الصراع الطبقي، وهي النظرية التي سادت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر حتى نهاية الحرب العالمية الأولى "فالمجتمع المدني لدى ماركس هو أوسع وأشمل مِن الدول فهو الذي يقيم الدولة في مرحلة معينة مِن تاريخ الصراع بين الطبقات، وهو أيضًا الذي يؤدي إلى تلاشيها في نهاية الصراع، وبحسب طبيعة التكوين الطبقي في المجتمع المدني وعلاقات القوة السائدة بين الطبقات تتحدد علاقته بالدولة، فإذا تمكنت طبقة معينة أو قسم منها من فرض إرادتها على سائر الطبقات الأخرى، فإن الدولة تصبح مجرد تابع للطبقة المسيطرة اقتصاديًّا التي خرجت من عباءة المجتمع المدني، أما إذا تعذر على أي طبقة أن تستحوذ على هذا القدر مِن السيطرة فإن الدولة تظل في مواجهة المجتمع المدني، بل وتنصب نفسها قوة فوق المجتمع المدني" (المصدر السابق، ص 32) .

بعد الحرب العالمية الأولى عاد مصطلح المجتمع المدني مجددًا للاستعمال بواسطة الإيطالي الماركسي (أنطونيو جرامشي) (1891 م - 1937م)، الذي لم يرَ في المجتمع المدني ما رآه ماركس وهيجل من كونه ساحة للتنافس الاقتصادي والصراع الطبقي، (إنما رأى فيه فضاء للتنافس الأيديولوجي، أو ما يمكن اعتباره رابطة للصراع حول التوجيه الفكري والثقافي أو الأيديولوجي للمجتمع، وقد توصل جرامشي لهذا التعريف للمجتمع المدني حينما ميَّز بين الحالة الروسية التي شهدت الثورة البلشفية وبين المجتمعات الغربية الرأسمالية، ففي روسيا كانت الدولة كل شيء بينما كان المجتمع المدني غير مكتمل، أما في الغرب الرأسمالي فقد كانت توجد بين الدولة والمجتمع المدني علاقة حقيقية؛ لأن بنية هذا المجتمع المدني كانت صلبة، وبالتالي انتهى جرامشي إلى أن إستراتيجية الطبقة العاملة في الغرب لا تستطيع -ولا يجب- أن تعيد إنتاج النموذج الروسي في الاستيلاء على السلطة، بل إن الطبقة العمالية الغربية عليها السيطرة على المجتمع المدني قبل أن تنخرط في صراع للسيطرة على المجتمع السياسي أو السلطة.

ومِن هنا يأتي الدور الإستراتيجي لطائفة المثقفين في المجتمع المدني، ويبدو أن هذا هو التحليل الذي تبناه الغرب الرأسمالي بعد عدة عقود لإنجاز التغيير السياسي في بلاد شرق أوروبا ثم في البلاد العربية" (انظر أسرى المال السياسي، ص 29) .

الصفحة التالية