شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (26)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

بعد جرامشي قام الغرب الرأسمالي والليبرالي بمحاولات للتوصل إلى توافق حول صياغة المجتمع المدني مستفيدًا من التجارب التاريخية السابقة، فتم استبعاد صياغة (أرسطو) للمجتمع المدني، والاستفادة من المحاولات التي ظهرت بعده، واستقر الأمر على كون المجتمع المدني ساحة وفضاء مستقل عن الدولة لا يختلط بها ولا يضم أي مكونات منها، بعكس ما كان يراه أرسطو، وهو فضاء للصراع كما عند هيجل وماركس، ولكنه صراع اجتماعي يتم بشكل سلمي، وهو أيضًا فضاء يهتم بمبدأ الحقوق الأساسية الطبيعية ويقوم على رعايتها، وهو ما ذهب إليه (توماس باينيس) (راجع المصدر السابق، ص 30) .

وهكذا تبلور مفهوم المجتمع المدني في الغرب ليكون وسطًا -وبديلًا- بين التنظيمات الإرثية كالأسرة والقبيلة -بل والجماعات العرقية والطائفية والمذهبية- وبين الدولة بكل مؤسساتها وتنظيماتها السياسية وغير السياسية بما فيها المؤسسات الأمنية (راجع: أسرى المال السياسي، ص 30-31) ، حيث يختلف المجتمع المدني عنهما في أمور ذكرناها من قبل، من أهمها بالنسبة للمشتركين فيها أن العضوية في المجتمع المدني طواعية على عكس الانتماء لتنظيمات الأسرة والقبيلة -فعضوية الفرد لا اختيار له فيها- أو الانتماء لتنظيمات الدولة التي تكون مفروضة عليه، إلى جانب ما تكون عليه التنظيمات الإرثية وتنظيمات الدولة مِن تسلط قائم على الطاعة والامتثال، كما أن المجتمع المدني لا يمتلك حقوقًا قانونية لاستخدام القوة والعنف تجاه أعضائه مثل الدولة؛ فللدولة حقوق سيادية على كل مَن يعيش في نطاقها بما فيها الحق في استخدام المنع والمنح، والقوة والعنف كآليات للضبط الاجتماعي، وللفرد كذلك حرية الاشتراك في أكثر من منظمة من منظمات المجتمع المدني في وقت واحد دون أي مؤاخذة عليه.

دور المجتمع المدني الاجتماعي:

يرى علماء الاجتماع أن للمجتمع المدني دورًا لا غنى عنه في تحقيق التوازن الاجتماعي والسياسي في المجتمع، فهو حصن للأفراد ضد سطوة الدولة، وهو حصن للدولة ضد خطر الاضطرابات الاجتماعية العنيفة، وهو قيد على تعسف الحكام وتماديهم في استعمال السلطة، وهو يدير الصراع الاجتماعي الذي يكون طرفًا فيه بشكل سلمي، حتى ولو صاحبه اللجوء إلى تظاهر أو اعتصام أو إضراب أو عصيان مدني، فكل ذلك بعيد عن العنف العشوائي الذي يصحبه عادة تدمير وتخريب ونهب، يتسبب فيه أفراد أو فئات غير منخرطة في جماعات منظمة.

دور المجتمع المدني الاقتصادي:

تملأ منظمات المجتمع المدني في العادة الفراغ الذي تسببه سياسات اقتصاد السوق، حيث تتخلى الدولة عن تقديم بعض ما يلزم تقديمه مِن الخدمات الأساسية لأفراد المجتمع، خاصة من الفقراء وأصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة، فتقوم هذه المنظمات وبدرجة مؤثرة بسد جزء من تقصير الدولة في القيام بهذه الخدمات.

المجتمع المدني والعمل السياسي:

استقر علم الاجتماع على نزع الوظيفة السياسية عن المجتمع المدني رغم ما كان من ارتباط بينهما على مدى زمن طويل، فأرسطو رأى المجتمع المدني مرادفًا للدولة أو الجماعة السياسية، ومَن جاءوا بعده ظلوا يقدرون للمجتمع المدني دوره ووظيفته السياسية، باستثناء ماركس ومن قبله هيجل الذي رأى في المجتمع المدني ساحة للصراع الطبقي، فالغلبة عنده للدور الاجتماعي والاقتصادي، بينما جاء فهم جرامشي للمجتمع المدني مدخلًا للنظر إليه كآلية من آليات التغيير السياسي والوصول إلى السلطة، إذ رأى في ذلك سبيلًا للاشتراكيين للوصول إلى السلطة في أوروبا، من خلال السيطرة على وحدات المجتمع المدني أولًا قبل القفز إلى السلطة، وهو ما تعمق من خلال دعاة الحقوق المدنية في بولندا والمجر وتشيكوسلوفاكيا في إحداث التغيير السياسي في بلادهم وتحقيق الديمقراطية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، ورغم كل ذلك جاء المشروع الدولي الحالي للمجتمع المدني بنزع الوظيفة السياسية للمجتمع المدني، حيث أكَّد على أن أحد سمات المجتمع المدني أن يكون غير مسيس، أي لا يسعى إلى السلطة ولا يساند حزبًا سياسيًّا ولا يدعم مرشحًا في انتخابات (المصدر السابق، ص 34-35) .

وظيفة جديدة للمجتمع المدني:

أضافت النخب الحاكمة في الغرب للمجتمع المدني دورًا جديدًا يتمثل في تعبئة الجماهير وقيادة التغيير السياسي والديمقراطي في الدول العربية، ودول العالم الثالث التي ترزح تحت حكم متسلط أو ديمقراطي شكلي غير حقيقي، على غرار ما حدث في دول شرق ووسط أوروبا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، أي تحول منظمات المجتمع المدني مِن أداة لتحقيق التوازن السياسي والاجتماعي في المجتمعات -كما يحدده ويراه علماء الاجتماع- إلى أداة لتحقيق الديمقراطية على الطريقة الغربية، وهو ما اتجهت أمريكا وغرب في العقود الأخيرة -خاصة في العقد الأخير- مِن دعمه ومساندته بقوة معنويًّا وماديًّا (المصدر السابق، ص 35) .

تجربة نقابة تضامن البولندية:

تعد تجربة (حركة تضامن)العمالية في بولندا في الثمانينيات من التجارب الرائدة في إحداث التغيير السياسي وتحقيق الديمقراطية، فمع التدهور الاقتصادي وارتفاع الأسعار وتدني الأجور وسياسة القبضة الحديدية التي كان يمارسها الحكم الشيوعي الموالي للاتحاد السوفيتي في بولندا قامت في عام 1980م حركة عمالية عُرفت باسم: "حركة تضامن" بإضراب في حوض السفن في مدينة (جادنسك) بقيادة أحد العمال ويدعى (ليش فالينسا)، وقد قام المضرِبون بالتواصل مع بعض الإذاعات العالمية لمتابعة أخبار الإضراب (إذاعة بي بي سي وإذاعة أوروبا الحرة)، وللقيام بضغط إعلامي عالمي على السلطة الحاكمة في بولندا، وقد قدم المضربون للحكومة البولندية نحو من 20 مطلبًا وطنيًّا للتفاوض حولها؛ في مقدمتها: السماح بإقامة نقابات عمالية مستقلة، وعودة القيادات العمالية المفصولة لعملها، والاعتراف بحق العمال في الإضراب السلمي، والإفراج عن المعتقلين السياسيين.

وقد جذبت "حركة تضامن" الكثير من عمال بولندا حيث أعلن نحو مائتي مصنع الإضراب تضامنًا مع الحركة، وتحولت الحركة إلى حركة شعبية تضم مختلف الفئات من مثقفين وطلاب وعمال تضامنوا جميعًا مع حركة تضامن، وبعد مفاوضات مع الحكومة تمت الموافقة على العديد من مطالب الحركة.

الصفحة السابقة الصفحة التالية