الفساد (26)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
ومع تزايد التضامن والانضمام لحركة تضامن والتي بلغت عدة ملايين من سكان بولندا دعت الحركة في بيان لها في ذكرى مرور سنة على إنشائها إلى مواصلة المطالبة بالإصلاح من خلال تعزيز الكرامة الإنسانية وتحقيق العدالة والديمقراطية من خلال أساليب احتجاج سلمية.
وفي عام 1981م قامت روسيا بالضغط على بولندا للتصدي لنشاط نقابة تضامن فتولى (يورزليسكي) رئيس الوزراء ووزير الدفاع مقاليد الأمور، وعمد إلى السيطرة بقوة على البلاد، فأعلن الأحكام العرفية وتصدي بعنف للتظاهرات الشعبية فسقط عشرات من القتلى والجرحى واعتقل الآلاف.
أبدى الإعلام الغربي تأييده الكامل وتعاطفه مع نقابة تضامن، وفي مقدمة المؤيدين كان الرئيس الأمريكي "ريجان" ورئيسة وزراء بريطانيا "مارجريت تاتشر"، ومع توالي ضغط المجتمع الدولي تم رفع الأحكام العرفية في بولندا.
عمدت نقابة تضامن إلى العمل السري في الفترة من 1982م إلى عام 1988 م من خلال المطبوعات السرية والتواصل مع الجماهير وتعبئتها وتجديد الإضرابات، ومع ظهور جورباتشوف ومنهجه الإصلاحي في الاتحاد السوفيتي تم الاعتراف بشرعية حركة تضامن العمالية كنقابة عمالية في عام 1989م.
وفي عام 1990 م تم انتخاب (فاليسا) كأول رئيس منتخب لبولندا بإرادة شعبية، وكان قد حصل على جائزة نوبل للسلام، وقدم (يورزليسكي) للمحاكمة بتهمة قتل المتظاهرين السلميين، ولكنه توفي بعد إصابته بالسرطان، ليسدل الستار على التجربة بنجاح التغيير السياسي والتحول إلى الديمقراطية، وتحولها إلى نموذج وضع ليحتذى به في دول شرق أوروبا والعالم الثالث.
الجمعيات الأهلية في مصر والعالم العربي:
كان لمصر ثم البلاد العربية سبق في تكوين الجمعيات الأهلية غير الحكومية، والتي تعد المرادف لوحدات المجتمع المدني الغربية في العالم العربي والإسلامي، أي أن المجتمع المدني في مصر والبلاد العربية قديم، حيث ظهر قبل أن يتم صك مفهوم المجتمع المدني بمعناه الغربي المعاصر، ففي فترة حكم محمد علي (1805م - 1854م) تأسست العديد من الجمعيات الأهلية، كان أولها الجمعية اليونانية بالإسكندرية عام 1821م، ثم جمعية معهد مصر وجمعية المعارف في عام 1868م، ثم توالى إنشاء العديد من الجمعيات الأهلية خاصة التي تهتم بأداء الخدمات الصحية والرعاية الاجتماعية.
وقد كانت مصر هي أيضًا أول دولة عربية يعترف دستورها -دستور 1923م- بحق المصريين في تأسيس الجمعيات الأهلية، أي إعطاء المجتمع المدني في مصر الحماية ومن وقت مبكر، والتي تطورت إلى الاهتمام بالدفاع عن حقوق العديد من الفئات والمحتاجين، والتي بلغت حاليًا أكثر من 35 ألف و500 جمعية أهلية حتى نوفمبر عام 2011م طبقًا لبيانات وزارة التضامن الاجتماعي.
وهذا العدد لا يتضمن عدد الجمعيات غير الحكومية -خاصة الحقوقية- غير المسجلة في وزارة الشئون الاجتماعية، إلى جانب الجمعيات التي تكونت على شكل شركات لتفادي إجراءات التسجيل، أو للابتعاد عن الإجراءات البيروقراطية التي تعرقل تأسيسها وبدء نشاطها، وقد تأسست في لبنان جمعية المقاصد الإسلامية في عام 1878م، وفي نفس العام تأسست في ليبيا مدرسة الفنون والصنائع الإسلامية، وبعدها بتسعة أعوام تأسست في اليمن جمعية نادي الجالية الفارسية، وقد توالى تأسيس الجمعيات الأهلية في العديد من الدول العربية خلال القرن التاسع عشر ثم القرن العشرين.
وتأتي محافظة القاهرة في مقدمة المحافظات من حيث الجمعيات الأهلية والجمعيات غير الحكومية المسجلة، حيث يوجد فيها نحو 6639 جمعية، يليها محافظة الجيزة، ثم الإسكندرية، ثم الشرقية، ثم الدقهلية، بينما تأتي محافظة جنوب سيناء كأقل المحافظات تأسيسا للجمعيات إذ بها نحو 111 جمعية، وبعدها مرسى مطروح بنحو 146 جمعية، فالأقصر بنحو 186 جمعية، فالوادي الجديد بنحو 222 جمعية فبورسعيد بنحو 251 جمعية. وتوجد فقط محافظتان لن تسجل فيها رسميا أي جمعيات أهلية وهما محافظتا بني سويف وأسيوط" (راجع: أسرى المال السياسي، ص 74-77) .
وقد "صنفت بيانات وزارة التضامن الاجتماعي أنشطة هذه الجمعيات على نحو 48 نشاطا مختلفا، شملت الخدمات الثقافية العلمية والدينية، والرعاية الاجتماعية، والخدمات الصحية، ورعاية الطفولة والأمومة، ورعاية الفئات الخاصة والمعوقين، ورعاية المسجونين، وتنظيم الأسرة، والصداقة بين الشعب المصري والشعوب الأخرى، والنشاط الأدبي، وأرباب المعاشات، وحماية البيئة والحفاظ عليها، والتنمية الاقتصادية للأسرة، وحماية حقوق المستهلك، وتنمية المجتمعات المحلية، وحقوق الإنسان، وتنمية الديمقراطية، وأنشطة ثقافية وتعليمية ورياضية، والحد من الفقر، وخلق فرص عمل، والنهوض بالمرأة، وإصلاح ذات البين، ومحو الأمية، وإنشاء نوادي تكنولوجيا المعلومات، ودار مسنين، وحج وعمرة، وتدريب، وبحث علمي، والغوث في النكبات العامة، ورعاية الأيتام، والتوعية بالحقوق الدستورية والقانونية، والتنمية البشرية، وتنمية دخل الأسرة والأفراد، وخدمة تكريم الإنسان، فضلا عن الأنشطة الدينية" (المصدر السابق، ص 77) .
وتدل الإحصائيات على أن جمعيات الخدمات الثقافية والعلمية والدينية هي الأكبر عددًا، حيث تأتي جمعيات العمل الخيري التي يقوم نشاطها على البر والإحسان، وتستند في الأغلب إلى الوازع الديني، حيث تقدم مساعدات مالية وعينية للفقراء والمحتاجين في المناسبات الاجتماعية مثل الزواج وبدء العام الدراسي، وكذلك الأعياد الدينية، وتمثِّل نسبة هذا النوع من الجمعيات حوالي ثلث إجمالي عدد الجمعيات الأهلية، أما الجمعيات الخدمية التي توفر الرعاية الاجتماعية لبعض الفئات مثل الأطفال الفقراء، وأطفال الشوارع، والأيتام، والمسنين، والمعاقين، وغيرهم -وهي خدمات تقدم مجانًا أو بأسعار مخفضة أو رمزية- فلا تقل نسبة هذا النوع من الجمعيات عن نصف إجمالي عدد الجمعيات الأهلية وغير الحكومية في مصر، ويرجع زيادة أدوارها إلى تراجع دور الدول في ظل تبنيها اقتصاديات السوق الحر وسياسيات الخصخصة.