شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

صفات عباد الرحمن (2) التواضع

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

الغرض من الموعظة:

- حث المسلمين على التحلي بصفات عباد الرحمن التي توصلهم الى الجنة، ومنها: التواضع.

المقدمة:

- موضع الشاهد مِن الآيات على صفة التواضع: قال الله -تعالى-: ( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ) (الفرقان:63) ، قال ابن كثير في التفسير: "أي في سكينة ووقار مِن غير جبرية ولا استكبار".

- بخلاف المتكبرين فإنهم يمشون في الأرض مرحًا: قال -تعالى-: ( وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا ) (الإسراء:37) .

- ذكر الأرض في السياق إشارة إلى تواضعهم، حيث خُلقوا من الأرض، فمن يتذكر أصله لا يتكبر: قال -تعالى-: ( مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أخرى ) (طه:55) ، وقال: ( قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا ) (الكهف:37) .

(1) فضل التواضع:

- كفى بهذا الخُلُق شرفًا أن صدرت به صفات عباد الرحمن: قال -تعالى-: ( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ) (الفرقان:63) .

- أمر به أعلى الناس منزلة وأحسنهم خلقًا أن يضع من قدره، ليسهل على إخوانه التعامل معه: قال -تعالى-: ( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ) (الحجر:88) .

- هو منة من الله وفضل على عبادة الصالحين: قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) (المائدة:54) .

- هو سبب لمحبة الخلق وإيثار القلوب في الدنيا، ونيل الجزاء الأعلى في الآخرة: قال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ تَوَاضَعَ للهِ رَفَعَهُ ) (أخرجه أبو نعيم في الحلية، وصححه الألباني) .

- هو سبب للتوفيق والسداد في الرأي: قال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا مِنْ آدَمِيٍّ إِلَّا فِي رَأسِهِ حَكَمَةٌ بِيَدِ مَلَكٍ، فَإِذَا تَوَاضَعَ، قِيلَ لِلْمَلَكِ: ارْفَعْ حَكَمَتَهُ، وَإِذَا تَكَبَّرَ قِيلَ لِلْمَلَكِ: ضَعْ حَكَمَتَهُ ) (رواه الطبراني، وقال الألباني: حسن لغيره) .

- حث الشرع المؤمنين على التحلي به: قال -صلى الله عليه وسلم-: ( وَإِنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَبْغِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ ) (رواه مسلم) .

(2) مِن تواضع النبي -صلى الله عليه وسلم-:

- تواضعه -صلى الله عليه وسلم- في نفسه: قال القاضي عياض في كتاب الشفا: "وحسبك أنه خيِّر بين أن يكون نبيًّا ملكًا أو نبيًّا عبدًا، فاختار أن يكون نبيًّا عبدًا، فقال له إسرافيل عند ذلك: فإن الله قد أعطاك بما تواضعت له أنك سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من تنشق الأرض عنه، وأول شافع".

وقال: "ولما فتحت عليه مكة ودخلها بجيوش المسلمين، طأطأ على رحله رأسه، حتى كاد يمس قادمته تواضعًا لله -تعالى-" (الشفا في معرفة حقوق المصطفى، ص 116) .

- تواضعه في عيشه -صلى الله عليه وسلم-: قال أنس بن مالك -رضي الله عنه-: حَجَّ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى رَحْلٍ رَثٍّ، وَقَطِيفَةٍ تُسَاوِي أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ، أَوْ لَا تُسَاوِي، ثُمَّ قَالَ: ( اللَّهُمَّ حَجَّةٌ لَا رِيَاءَ فِيهَا، وَلَا سُمْعَةَ ) (رواه البخاري، وابن ماجه واللفظ له) (انظر في كتب السير والشمائل في زهده وعيشه الخشن -صلى الله عليه وسلم-؛ ليظهر لك عظيم تواضعه -صلى الله عليه وسلم-).

- تواضعه مع أهله ومع الناس: سئلت عائشة -رضي الله عنها-: مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ؟ فقَالَتْ: "كَانَ بَشَرًا مِنَ الْبَشَرِ يَفْلِي ثَوْبَهُ، وَيَحْلُبُ شَاتَهُ، وَيَخْدُمُ نَفْسَهُ" (رواه أحمد، وصححه الألباني) ، وَعَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: مَا كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ -تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ- فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ" (رواه البخاري) ، وعن أنس -رضي الله عنه-: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «مَرَّ عَلَى غِلْمَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ" (رواه مسلم) .

- تواضعه بالإخبار عن فقره، وعدم ترفعه: عن أبي مسعود -رضي الله عنه- قال: أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ، فَكَلَّمَهُ، فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ، فَقَالَ لَهُ: ( هَوِّنْ عَلَيْكَ، فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) ، ويخبر أنه كان راعيًا للغنم فيقول: ( كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ ) (رواه البخاري) ، بخلاف حال المتكبرين الذين يظنون أن ذلك يحقر مِن قدرهم، لا سيما الذين أعطوا مِن متاع الدنيا ما يعينهم على العلو وترك التواضع.

(3) مِن تواضع السلف:

- كانوا كلما رفعوا في الدنيا ازدادوا تواضعًا: عن عروة بن الزبير قال: "رأيت عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- على عاتقه قربة ماء، فقلت: يا أمير المؤمنين! لا ينبغي لك هذا. فقال: لما أتاني الوفود سامعين مطيعين دَخَلَت نفسي نخوة، فأردت أن أكسرها" (تاريخ دمشق لابن عساكر) .

الصفحة التالية