الفساد (27)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
منظمات المجتمع المدني أداة للإصلاح والتغيير أم وسيلة للإفساد؟ (3-3)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن منظمات المجتمع المدني هي جزء مِن ظاهرة العولمة، حيث يتعاظم دورها مع تقلص دور الدولة وانسحابها المتزايد مِن أداء بعض أدوارها الاقتصادية أو الاجتماعية في المجتمع، بإقلالها مِن تقديم الخدمات المجانية أو منخفضة التكاليف التي يحتاج إليها الفقراء وأصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة، كما أن لهذه المنظمات أيضًا دورًا في التعامل مع الآثار السلبية للعولمة على المجتمع، وهي بعد ذلك يمكن أن تكون جزءًا مِن ثورة اجتماعية يقودها النخب تعقب لحظة انهيار النظم الشمولية والاستبدادية.
وهذه المنظمات تلقى دعمًا وتأييدًا معنويًّا، بل وتتلقى تمويلًا ماديًّا جزئيًّا مِن قِبَل المنظمات والمؤسسات العالمية الاقتصادية خاصة التي تروج للعولمة والديمقراطية والخصخصة، وتوفِّر هذه المنظمات المشاركة الشعبية للأفراد لتحقيق العدالة الاجتماعية، ولتحقيق الأمن للأفراد في مواجهة ظلم أو تسلط مؤسسات الدولة، وفهم المجتمع المدني مرتبط بتفهم العلاقة بين المواطن كفردٍ، والمجتمع ككل والدولة كسلطة.
الثقافة المدنية:
تمثِّل الثقافة المدنية واحدًا مِن أهم مقومات المجتمع المدني، فالمجتمع المدني لا ينشط فقط بوجود هياكله التنظيمية المستقلة عن الدولة، بل لابد أن يسبقها ويعززها ثقافة تشدد على -وتضغط في اتجاه- تقييد السلطات بحدود معينة في التعامل مع المواطنين، ومراعاة حقوقهم في التنظيم والتعبير، وفاعلية المجتمع المدني تتوقف على مدى وجود هذه الثقافة المدنية، المتمثلة في منظومة الأفكار والقيم والاتجاهات السائدة التي تؤثر على مدى فاعلية المجتمع المدني وقوته.
ومِن أهم مكونات مفهوم الثقافة المدنية:
1- الإدارة السلمية للخلافات والصراعات:
مِن خلال قيم التسامح وقبول التنوع والاختلاف، وإدارة هذه الاختلافات سلميًّا، وهى قيم تتناسب مع التحول الديمقراطي.
2- العمل التطوعي:
فمع غياب هدف الربح يتحول العمل إلى عمل يقدِّم فيه الأعضاء وقتهم وخبرتهم مِن أجل خدمة المجتمع وتحقيق أهداف ومصالح عامة معينة دون انتظار أي مقابل مادي.
3- الشفافية والمحاسبة:
وشفافية المؤسسات المدنية تعني المصداقية أمام الرأي العام والحكومة، والقطاع الخاص والمنظمات الدولية، مِن خلال الإعلان عن النشاط وأهدافه ومصادر تمويله، وكيفية إنفاقه، والانفتاح أمام المجتمع ككل.
والمحاسبة تتمثل في إمكانية محاسبة القيادات والمسئولين عن نشاطهم الوظيفي وأدائهم، ووجود هذه الشفافية وهذه المحاسبة يجنبان أي مؤسسة تهمة أي فساد مالي أو نشاط غير قانوني أمام أي جهات داخلية أو خارجية.
التوسع في المجتمع المدني:
شهدت مصر في العقود الثلاثة الأخيرة زيادة غير مسبوقة في تكوين الجمعيات والمؤسسات المدنية، حيث ارتفعت أعداد الجمعيات الأهلية بنسبة 5.5 % ما بين عامي: 2007 م و2010 م، ثم تزايدت زيادة أكبر بعد ثورة 25 يناير حيث تم تسجيل زيادة بلغت نسبتها 13 % في أعداد تأسيس الجمعيات الأهلية، علمًا بأن هذا التوسع في التسجيل تم في إطار قانون للجمعيات الأهلية وجِّه إليه الكثير مِن الانتقادات منذ صدوره، إذ كان يعده البعض عائقًا لإنشاء وتسجيل الجمعيات الأهلية؛ ولهذا فإن هناك الكثير من الجمعيات الأهلية غير مسجلة تم تكوينها خارج نطاق هذا القانون، وهناك الكثير من الشركات تعمل بدون ترخيص، ويبرر هؤلاء وهؤلاء عدم التسجيل أو عدم الحصول على الترخيص، أو عدم توفيق أوضاعهم قانونيًّا بسلبيات قانون الجمعيات الأهلية، وأيضًا: بسبب البيروقراطية المصاحبة له، ويعلقون تغيير موقفهم على تغيير القانون أو تعديله أو إلغائه، وأشهر مَن اتخذ هذا الموقف -بعد ثورة 25 يناير- جماعة الإخوان المسلمين التي رفضت توفيق أوضاع الجماعة طبقًا لقانون الجمعيات الأهلية، أي الاحتفاظ بازدواجية بقاء الجماعة تمارس نشاطها غير المسجل وغير المرخص إلى جانب بقاء حزبها السياسي الذي أسسته، حزب الحرية والعدالة.
ولا يخفى أن تكوين هذه الأعداد الكبيرة من الجمعيات الأهلية لا بد أن يكون مرتبطًا بأمور كثيرة يلزم توافرها من القدرات المالية والخبرات الفنية والتنظيمية، إلى جانب وجود ثقافة التطوع وروح العمل التطوعي والثقافة المدنية.
قدم العمل التطوعي في مصر:
إن العمل التطوعي -وهو جوهر عمل المجتمع المدني- قديم جدًّا في المجتمعات الإسلامية عامة والعربية خاصة، ومنها المجتمع المصري الذي كان دائمًا سباقًا في هذا المضمار، فالأوقاف الإسلامية سمة مِن سمات المجتمعات الإسلامية منذ ظهور الإسلام، وتكوين الروابط للطوائف المهنية مِن العمال والحرفيين قديم ومشهور تاريخيًّا، في شكل روابط من كبار التجار ومشايخ الحرفيين، الذين يتولون أمور وقضايا الدفاع عن مصالح وحقوق هذه الفئات خاصة في مقابلة مظالم السلطة الحاكمة أو تعنتها؛ لذا فإن نسبة الجمعيات الأهلية التي تعمل في المجال الخيري والخدمي في مصر تتعدى 80 % من عدد الجمعيات الأهلية؛ إذ إن هذه النوعية من الجمعيات هي الأسبق تاريخيًّا في الظهور، وهي الأغلب في جذب المتطوعين للمشاركة فيها من أفراد المجتمع.
التمويل الأجنبي للجمعيات المصرية:
عندما رأى البعض الحاجة إلى وجود منظمات حقوقية بدأ تأسيس العديد مِن هذه الجمعيات، خاصة بعد ظهور حركات احتجاجية أو مع الدخول في صدام مع السلطة الحاكمة، وما ترتب عليها مِن اعتقالات لمتظاهرين أو لنشطاء، ووجود معتقلين سياسيين، وحاجة أغلبهم إلى مساندة قانونية ودفاع، حيث تأسست أول جمعية حقوقية في مصر في الثمانينيات بعد تأسيس منظمة تضامن في بولندا، وهي المنظمة التي قادت التغيير السياسي في بولندا كما ذكرنا من قبل، ويعتبرها محللون غربيون وأمريكيون نموذجًا يجب على منظمات المجتمع المدني في الدول العربية الاقتداء به؛ لتحقيق الإصلاح السياسي وتحقيق الديمقراطية.
وقد ارتبط وجود هذه النوعية مِن الجمعيات بتشجيع ودعم وتمويل مالي خارجي من خلال قناعة عند الغرب بأهمية وجود ودعم هذه الجمعيات لدورها كآلية مِن آليات تحقيق الديمقراطية.