الفساد (27)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
وآخر رصد لهذا النوع من الجمعيات يبيِّن أن عددها بلغ نحوًا مِن 237 جمعية، من بينها 170 جمعية مسجلة، منها 148 جمعية لحقوق الإنسان، و14 جمعية للتوعية بالحقوق الدستورية، و8 جمعيات للتنمية الديمقراطية، والباقي أي نحو 67 جمعية غير مرخصة أو مسجلة لدى وزارة الشئون الاجتماعية، بعضها مسجل كشركات في إطار قانون الشركات (راجع أسرى المال السياسي، ص 82 -86) .
وجدير بالذكر أن هناك منظمات أجنبية تعمل في مصر بشكل قانوني بلغ عددها حتى نهاية عام 2011م نحو 800 منظمة، من بينها: 23 منظمة أمريكية، كما أن هناك منظمات أخرى أجنبية غير مسجلة، أي تعمل بشكل غير قانوني، في مقدمتها المنظمات الأمريكية الثلاث: المعهد الديمقراطي والمعهد الجمهوري وبيت الحرية، والتي قدمت بعض فروعها بالقاهرة للمحاكمة في فترة من الفترات (المصدر السابق، ص 22) .
وهذه المنظمات الأهلية -المسجلة وغير المسجلة- الباب أمامها مفتوح للحصول على تمويل أجنبي، فمنها 158 جمعية أهلية حصلت على موافقات من وزارة الشئون الاجتماعية للحصول على أكثر من نصف مليار جنيه خلال عام 2011م، وقد سجلت تقارير وزارة التعاون الدولي تمويلًا أمريكيًّا لمنظمات المجتمع المدني المصرية والأجنبية بنحو 95 مليون دولار خلال نفس العام 2011م (المصدر السابق، ص 22) .
يقول الكاتب عبد القادر شهيب في كتابه: (أسرى المال السياسي): "إن المال السياسي الذي تدفق علينا بغزارة بعد ثورة 25 يناير، في ظل وهم البعض أن الدولة المصرية تعاني وهنًا سيجعلها تغض الطرف عن ذلك، يضر المجتمع المدني المصري ولا يفيده، يضعفه ولا يقويه. أما التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني الذي يتم علنًا وتحت بصر الرأي العام وبمعرفة الجهات المختصة فهو لا غبار عليه، بل إنه مطلوب نظرًا؛ لعدم كفاية التمويل المحلي للجمعيات الأهلية في مصر، بينما التمويل السياسي الأجنبي يضع الجمعيات أو الجهات التي تتلقاه أسيرة لمن يمنحه لها؛ لذلك صرنا نرى جمعيات تغير نشاطها وفقًا لنوع التمويل، أو جمعيات تقدم معلومات مغلوطة وتقارير مضروبة تسوغ بها استمرار هذا التمويل، أو جمعيات لا تفعل أكثر من إعداد نشرات دعائية لتمجيد المانحين ومعوناتهم، أو جمعيات تتورط في فساد، وهي تنفق هذا المال الذي حصلت عليه سرًّا" (المصدر السابق، ص 73) .
ويضيف: "المال السياسي يتعين أن نرفضه أيًّا كان مصدره"، "المال السياسي مرفوض مهما كانت جنسية مانحه... أمريكيًّا أو أوروبيًّا أو عربيًّا أو حتى إيرانيًّا، نحن لن نرقى بالمجتمع المدني في بلدنا الذي يعد ركيزة من ركائز الديمقراطية بالمال السياسي الأجنبي أو بالتمويل الأجنبي السري" (المصدر السابق بتصرف) .
التمويل الأجنبي وأمن مصر:
قضية التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني من القضايا الخطيرة بالنسبة لأمن الأمة المصرية في ظل الرغبة العارمة لدول أجنبية عديدة إقليمية وعالمية للتدخل في شئون مصر والقيام بأدوار فيها.
إن التمويل الخارجي للجمعيات والمنظمات غير الحكومية أمر غير مرفوض خاصة مع حاجة الكثير منها للدعم المالي والتمويل في ظل أنشطتها المتعددة وأدوارها الكبيرة، ولكن ذلك مشروط بضوابط في مقدمتها أن يكون هذا التمويل لمنظمات وجمعيات مسجلة بوزارة التضامن معلوم نشاطها ومصرح به، وأن يكون هذا التمويل تمويلًا علنيًّا، معلوم حجمه ووجهته، ولأنشطة معروفة ومصرح بها، مع خضوعها للرقابة والمتابعة -والمسائلة عند اللزوم- مِن الجهات الرقابية المختصة لضمان عدم حدوث أي فساد في الإنفاق.
أما المرفوض مِن التمويل الأجنبي فهو التمويل المقدم للجمعيات والمنظمات غير الحكومية غير المسجلة، والتي لا تصريح لها بممارسة أنشطة، أي لا يعلم على وجه الدقة حقيقة نشاطها، أو أن يكون تمويلها تمويلًا سريًّا غير معلن حجمه ووجهته، ولا يخضع للرقابة والمتابعة والمسائلة، مما يجعله عرضة للإنفاق في الفساد، أو في أنشطة سياسية غير مصرح بها لمنظمات المجتمع المدني، أو في أغراضٍ خفيةِ غير معلنة هي محل شك وريبة، وأسوأ مِن ذلك تقديم هذا الدعم المالي لمنظمات وهيئات أجنبية على أرض مصر، يديرها أجانب أو موالين لهم، وغير مسجلة رسميًّا، ولا يعلم تحديدًا الغرض مِن أنشطتها.
الصدام مع التمويل الأمريكي بعد ثورة 25 يناير:
لقد شهد الشهر الذي تنحى فيه مبارك عن الحكم إعلان وزيرة الخارجية الأمريكية عن إعادة برمجة نحو 150 مليون دولار من برنامج المساعدات الاقتصادية الأمريكية السنوي لمصر لذات العام (2011م) لمساندة مصرفي تجاوز الخسائر الاقتصادية التي ألمت بها، ودعم عملية التحول الديمقراطي في مصر، ثم أعلنت بعدها وزارة الخارجية الأمريكية عن خطة لتوزيع هذا المبلغ على المدى القصير، ثم قامت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، المعروفة مصريًّا بهيئة المساعدات الأمريكية، باتخاذ خطوات أحادية حيث قامت بالإعلان عن قبول طلبات التمويل للهيئات غير الحكومية، مع احتفاظ الوكالة بحق القبول أو الرفض، فتلقت نحوًا من 600 طلبًا مِن منظمات وجمعيات، وقدمت مساعدة لـ(49) منها، في إطار إعادة برمجة المساعدات، تم ذلك رغم الاتفاق المسبق بين الحكومتين المصرية والأمريكية على التنسيق المشترك مع الجهات المصرية المختصة، بما يشعر أن أمريكا قد رأت مصر في ظل حالة الاضطراب بعد ثورة 25 يناير مستباحة.
لقد كان التصرف الأمريكي وقتها مثيرًا للجدل، من خلال تضارب تصريحات السفيرة الأمريكية من جهة والمعلن من الوكالة الأمريكية من جهة أخرى حول كم هذه المساعدات وتفاصيلها، بما يفقدها الدقة، ويظهر الرغبة في عدم الإفصاح عن حقيقتها، وإضفاء السرية عليها، تارة بدعوى اجتياز هذه المنظمات للشروط الأمنية الأمريكية الخاصة بالتعامل مع منظمات المجتمع المدني، وعدم مسئولية أمريكا عن عدم تسجيل مصر هذه المنظمات رسميًّا، وتارة بدعوى رغبة تلك المنظمات الحاصلة على التمويل في إخفاء الأمر تجنبًا للملاحقة الأمنية، وقد تسبب ذلك في دخول القاهرة في معركة صامتة مع واشنطن في تلك الفترة الحرجة.