شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (27)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

لقد "ظل الجانب الأمريكي على مدى خمسة أعوام يراوغ في تنفيذ القواعد المتفق عليها في تقديم المساعدات الأمريكية لمنظمات المجتمع المدني المصرية أو الأجنبية العاملة بمصر في إطار برنامج الديمقراطية والحكم" (المصدر السابق، ص 58) .

وقع ذلك رغم "أن الولايات المتحدة ذاتها تلزم كل من يتلقى تمويلا أجنبيا بإبلاغ السلطات الأمريكية بحجم هذا التمويل والجهة المانحة له والغرض المستخدم فيه، كما تلزمه بتقديم تقارير دورية للسلطات الأمريكية عن إنفاق هذا التمويل" (راجع المصدر السابق، ص 57) .

يقول الكاتب عبد القادر شهيب تعقيبًا على أحداث هذه الفترة: "وهكذا نحن إزاء سرية مركبة أو متعددة الجوانب في مسألة التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني المصرية... سرية أولًا: مِن جانب المانحين لهذا التمويل، الذين يريدون إخفاء ما يقومون به من تمويل ويقدمونه مِن أموال لعددٍ مِن الجمعيات الأهلية وغير الحكومية في مصر... وإذا كان المانحون الأمريكيون يتسترون في ذلك ببرنامج المساعدات الأجنبية، وعدد مِن منظماتهم غير الحكومية لإخفاء هذا التمويل، فإن المانحين العرب اعتادوا أحيانًا على تقديم التمويل سائلًا، أو عبر وسائط تفاديًا لانكشاف أمره إذا ما تم عبر القنوات المصرفية، أو بشكل مباشر.

ولدينا سرية -ثانيا- مِن جانب الذين يحصلون على هذا التمويل الأجنبي نظرًا؛ لأن بعضًا مِن هذا التمويل يذهب لأغراض أخرى ذات طابع سياسي بالمخالفة للقانون، وهم لا يريدون كشف ذلك، بل إن الذين يحصلون على التمويل الأجنبي في إطار المجتمع المدني يمارسون إرهابا ضد كل من يتحدث أو يحذر من خطورة المال السياسي الذي يتدفق على مصر بغزارة، ويتهمون هؤلاء بأنهم معادون للمجتمع المدني، وتحديدًا المنظمات الحقوقية، وذلك لتظل عملية التمويل الأجنبي سرية ولا يتم كشف الأهداف والأبعاد الحقيقية للممولين الأجانب، ولا ما استفاد به شخصيًّا عدد محدود من الشخصيات مِن هذا التمويل الأجنبي، وما حدث من وقائع فساد يرتبط بهذا التمويل الأجنبي، والتي تلوكه ألسن عدد من المنتمين لمنظمات المجتمع المدني، مثل تقديم هدايا عينية للحصول على هذا التمويل، أو مثل إنفاق قدرًا مِن هذا التمويل في غير أغراضه المتفق عليها في اتفاقات التمويل الأجنبي، أو مثل ما طرأ من تغيرات في ثروات بعض المنتمين لمنظمات غير حكومية.

كما لدينا -ثالثًا- سرية في عملية إنفاق هذا التمويل الأجنبي، فالإفصاح نادر ومحدود في هذا الصدد، حتى في ظل متابعة ومراقبة المانحين إلى عملية الإنفاق، وإذا كان قد تم تحويل بعض المسئولين عن منظمات المجتمع المدني للتحقيق في مخالفات إنفاق التمويل الأجنبي"، "فإن ذلك حدث؛ لأن هذه المنظمات مسجلة لدى وزارة التضامن. أما المنظمات غير المسجلة والتي تحصل على التمويل الأجنبي سرًّا، فإن السرية تعوق مراقبة إنفاقها لهذا التمويل الأجنبي، مما يفتح الباب لحدوث فساد في إنفاق هذه الأموال، حيث كشفت دراسة ميدانية عن منظمات المجتمع المدني في مصر تركيز اتخاذ القرار داخل مجلس الإدارة، وخاصة الرئيس، وتهميش دور الجمعية العمومية، ويضاف إلى ذلك الإدارة الفردية للمنظمات الحقوقية، وهي المنظمات الأكثر استفادة من التمويل الأجنبي بين منظمات المجتمع المدني المصرية، وعدم إعلان ميزانيتها.

وقد ساعد على حدوث واستمرار هذه السرية التي حرصت عليها كل الأطراف سواء المانحون أو المستفيدون من التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني عدد مِن الأسباب، يأتي في مقدمتها: أن نسبة لا بأس بها من منظمات المجتمع المدني التي تحصل على تمويل أجنبي هي منظمات غير مسجلة رسميًّا لدى وزارة التضامن الاجتماعي سابقًا الشئون الاجتماعية حاليًا، فهذه المنظمات تحايلت في الحصول على الترخيص القانوني بالحصول على ترخيص شركة مدنية أو محاماة، وليس جمعية أهلية، لتتفادى صعوبة الحصول على ترخيص جمعية أهلية، وأيضًا لتتفادى الرقابة على إنفاق الأموال" (المصدر السابق، ص 65-67 بتصرف يسير) .

الموافقة على قانون جديد للجمعيات الأهلية:

تناقلت الصحف المصرية خبر موافقة مجلس النواب (مجلس الشعب) المصري خلال شهر يوليو لعام 2019م على قانون الجمعيات الأهلية الجديد، والذي تضمن عند الكثيرين العديد من التعديات، ومنها:

أ- إلغاء عقوبة الحبس والعقوبات السالبة للحريات عند مخالفة نصوص هذا القانون، خلافا للقانون السابق، مع إقرار عقوبة الغرامة المالية بدلا منها.

ب- السماح بالحصول على التمويل الأجنبي مع تقنين ذلك من خلال اشتراط إخطار السلطات المصرية بالأمر، وعدم انتهاك أيًّا مِن القوانين القائمة.

ج- تخفيف القيود التي كانت موجودة في القانون السابق بشأن تأسيس الجمعيات، حيث يتضمن القانون الجديد السماح بتأسيس الجمعية الأهلية المصرية بمجرد الإخطار.

د- السماح للأجانب بعضوية الجمعيات الأهلية المصرية بنسبة لا تزيد عن 25 % من مجموع أعضائها.

هـ- إلغاء الجهاز الذي كان يشرف على عمل المنظمات الأجنبية في مصر، والذي كان يضم في تشكيله ممثلي أجهزة أمنية.

و- أجاز القانون للجاليات الأجنبية إنشاء جمعية تعني بشئون أعضائها.

ز - السماح بإنفاق أرباح الشركات وصناديق الاستثمار التي تنشئها الجمعيات الأهلية على العمل الخيري.

وقد علقت العديد مِن الجهات داخل مصر وخارجها على هذا القانون الجديد لما يتضمنه من نقلة نوعية في تاريخ العمل الأهلي في مصر، وقد تناولته العديد من وسائل الإعلام العالمية -كوكالة رويترز ووكالة الأنباء الفرنسية وهيئة الإذاعة البريطانية- بالترحاب؛ لما فيه مِن إلغاء عقوبة السجن وتقنين التمويل الأجنبي للجمعيات الأهلية والسماح للأجانب بالعضوية فيها.

وجدير بالذكر: أن الرئيس عبد الفتاح السيسي قد أعلن في نوفمبر 2018م أن قانون الجمعيات الأهلية بمصر بحاجة إلى أن يكون أكثر توازنًا (انظر في ذلك: جريدة الأهرام القاهرية في عددها الأسبوعي يوم الجمعة 16 من ذي القعدة عام 1440 هـ، الموافق يوم 19 يوليو عام 2019 م، ص 6) .

للاستزادة حول موضوع منظمات المجتمع المدني راجع:

(المجتمع المدني: النظرية والتطبيق السياسي)، تأليف: فرانك أدلوف - ترجمة: د. عبد السلام حيدر.

الصفحة السابقة الصفحة التالية