شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فوائد الاستغفار

الشيخ أحمد فريد • التزكية

الحمد لله، والصلاة

والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالاستغفار هو طلب المغفرة من الله -عز وجل-،

والمغفرة هي ستر الذنوب مع محو عقوبتها، وكثيرًا ما يقرن بين الاستغفار والتوبة في

الكتاب والسنة، فإذا قرن بينهما يكون الاستغفار هو: طلب المغفرة من الله -عز وجل-

باللسان، والتوبة: الإقلاع عن الذنوب، والندم على فعلها.

وحكم الاستغفار هو حكم الدعاء، فالأصل فيه

الإجابة، بشرط مراعاة آداب الاستغفار من انكسار القلب، والإقبال على الله -عز وجل-،

والثقة بالقبول، فكما وعد الله -عز وجل- بقبول الدعاء، وعد كذلك بقبول الاستغفار،

فقال -تعالى-: ( وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ

نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا ) (النساء:110) .

وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يكثر من

الاستغفار، ويأمر بالاستكثار منه، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَاللَّهِ

إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ

مَرَّةً ) (رواه

البخاري) ، وقال -صلى الله عليه

وسلم-: ( إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ، فِي

الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ ) (رواه

مسلم) .

وأفضل

الاستغفار: ما تضمن اعتراف

العبد بذنوبه، واعترافه كذلك بنعم الله -عز وجل- عليه، فعن شداد بن أوس عن النبي -صلى

الله عليه وسلم- قال: ( اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لاَ إِلَهَ إِلَّا

أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا

اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ

عَلَيَّ وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ

الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ ) (رواه البخاري) ، فقوله: ( أَبُوءُ لَكَ

بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ ) أي: أعترف

بنعمتك عليَّ. وقوله: ( وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي ) أي: أعترف بذنبي.

وعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- أن

أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو

بِهِ فِي صَلاَتِي، قَالَ: ( قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ

نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ

لِي مِنْ عِنْدِكَ مَغْفِرَةً، إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (متفق عليه) .

وقد بيَّنت السُّنة أهم الأسباب التي توصِّل

إلى المغفرة، فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( قَالَ

اللَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي

وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ

آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ

لَكَ، وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ

الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ

بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً ) (رواه

الترمذي، وصححه الألباني) .

فتتضمن هذا الحديث القدسي الشريف ثلاثة أسباب من أسباب

المغفرة:

السبب

الأول: "الدعاء مع الرجاء": فمِن أعظم أسباب المغفرة أن العبد إذا أذنب ذنبًا لم يرجُ مغفرته من غير

ربه، ويعلم أنه لا يغفر الذنوب ويأخذ بها غيره، وفي الصحيح عن النبي -صلى الله

عليه وسلم- أنه قال: ( إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلَا يَقُلْ: اللهُمَّ اغْفِرْ

لِي إِنْ شِئْتَ، وَلَكِنْ لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ وَلْيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ،

فَإِنَّ اللهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ ) (رواه مسلم) ، فذنوب العباد وإن عظمت، فإن عفو الله ومغفرته أعظم

منها.

قال

الإمام الشافعي -رحمه الله-:

ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي جعـلت الرجا مني لعفوك سلما

تـعـاظـمـني ذنـبـي فـلمـا قرنته بعفوك ربي كان عفوك أعظما

السبب

الثاني: "الاستغفار":

فلو بلغت الذنوب عنان السماء، أي: ما عن منها أي: ظهر، ثم استغفر العبد ربه -عز

وجل-، يغفر الله له.

ويروى أن

لقمان -عليه السلام- قال لابنه:

"يا بني عود لسانك: اللهم

اغفر لي، فإن لله ساعات لا يرد فيها سائلًا".

وقال

الحسن البصري -رحمه الله-:

"أكثروا من الاستغفار في بيوتكم، وعلى موائدكم، وفي طرقكم، وفي أسواقكم، وفي

مجالسكم، وأينما كنتم، فإنكم ما تدرون متى تنزل المغفرة".

وعن

عائشة -رضي الله عنها- قال:

"فطوبى لمَن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا"، وعن علي -رضي الله عنه-

قال: "ما ألهم الله عبدًا الاستغفار وهو يريد أن يعذبه"، وقال قتادة:

"إن هذه القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم، فأما داؤكم فالذنوب، وأما دواؤكم:

فالاستغفار".

السبب

الثالث: "وهو التوحيد": ومَن حرم منه حرم من المغفرة، كما قال الله -تعالى-: ( إِنَّ

اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ

يَشَاءُ ) (النساء:48) .

قال ابن

القيم -رحمه الله-: "يعفى

لأهل التوحيد المحض الذي لم يشوبه بالشرك، ما لا يعفى لمَن ليس كذلك، فلو لقي

الموحد الذي لم يشرك بالله البتة ربه بقراب الأرض خطايا، أتاه بقرابها مغفرة، ولا

يحصل هذا لمَن نقص توحيده"، ويدل على ذلك أيضًا: "حديث البطاقة"،

وقد بيَّنا ذلك في فوائد التوحيد.

فوائد الاستغفار:

1- الاستغفار

استجابة لأمر الله -عز وجل-: ( وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ

كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ) (النساء:106) ، واستجابة لأمر النبي -صلى الله عليه وسلم-:

( وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي اليَوْمِ

أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً )

(رواه البخاري) ، وليس شيء

أنفع للعبد في العاجل والآجل من امتثال أوامر الله -عز وجل- وأوامر رسوله -صلى

الله عليه وسلم-.

2- ومن

فوائد حصول المطلوب بالاستغفار من مغفرة الله -عز وجل- للعبد، والمغفرة كما أشرت

آنفًا هي: ستر الذنوب مع محو

عقوبتها، وقد وعد الله -عز وجل- بالمغفرة لمن استغفره، فقال -تعالى-: ( وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ

الصفحة التالية