شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (28)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحركة النسوية في أوروبا والمنظمات النسوية في مصر (1-5)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمما لا شك فيه أن المرأة الأوروبية عانت عبر تاريخ أوروبا الطويل من ظلم فادح، ونظرة دونية لا تطاق، حُرمت فيها أبسط حقوق الحياة في أن يُعتد بها كإنسان كُتب عليه اقتسام الحياة مع الرجل، وزاد الأمر سوءًا أن جاءت الكنيسة عبر قرون أوروبا الوسطى لتضفي على هذه النظرة الظالمة صبغة دينية محرَّفة جعلت المرأة من أحط المخلوقات.

وكما ثارت أوروبا على الاستبداد الديني والسياسي والإقطاعي الذي ساد أوروبا خلال القرون الوسطى لتنتقل إلى عصور النهضة والتقدم بعلمانية مادية تعادي الأديان أو -على الأقل- تجردها من هيمنتها على المجتمع، وتحاصرها داخل جدران الكنيسة؛ ظهرت كذلك في أوروبا حركات نسوية ترفض ما اعتاده المجتمع الأوروبي من نظرة دونية للمرأة، بل وتبالغ في الرفض بالمطالبة بنقيضه، بتبني الدعوة إلى مجتمع جديد تتبوأ فيه المرأة الصدارة، أو -على الأقل- تتساوى مع الرجل في كل شيء بلا استثناء عن طريق تبني هذه الحركات النسوية لأفكارٍ فاسدةٍ متشددة، لينقلب الحال بالتحول مما كانت عليه أوروبا من التفريق بين ما كان ينبغي تساوي الرجل والمرأة فيه مِن الأمور، إلى تعميم مساواة بين الرجل والمرأة ولو فيما ينبغي أن يفرق بينهما فيه شرعًا وعقلًا، لتدخل أوروبا بذلك في عهدٍ جديدٍ مِن التخبط والشطط، بل تحاول في ظل صدارة الغرب للعالم فرض فكرها هذا جبرًا على كل دول العالم، مستخدمة كل ما لديها مِن إمكانيات وقدرات ووسائل ضغط وتوجيه.

ولنبدأ الرحلة من أولها، ولكن في إيجازٍ:

المرأة الأوروبية تحت الحكم اليوناني:

عانت المرأة الأوروبية في فترة ما قبل ميلاد المسيح عليه السلام مِن إجحافٍ شديدٍ، يتبين ذلك من خلال نظرة الفلاسفة اليونانيين القدماء للمرأة ومكانتها في الحياة، ومِن تصوير الأدب اليوناني القديم لها، وقد كان هؤلاء الفلاسفة -خاصة أفلاطون وأرسطو- القادة للفكر الأوروبي لقرونٍ عديدةٍ.

تتحدث الكاتبة (سوزان موللر) عن نظرة أفلاطون للمرأة في عصره فتقول: "إن تصوير النساء المنتشر في محاورات أفلاطون هو استنكار إلى أقصى حد، وهذا التصوير لجنس الأنثى يعكس إلى حدٍّ كبيرٍ وببساطة شديدة: إما الانحطاط المعاصر لوضع النساء، أو أن أفلاطون ورفاقه -لاسيما نظريتهم عن الحب- كانت تسيطر عليهم الجنسية المثلية، غير أن هناك كذلك فقرات في المحاورات تشمل أحكامًا أكثر من أن تكون ضد نساء المجتمع الأثيني، بل تشير إلى اعتقاد عام عند المؤلف بأن جنس الأنثى بفطرته أدنى من جنس الذكر بالضرورة" (راجع: النساء في الفكر السياسي الغربي، تأليف سوزان موللر أوكين -ترجمة إمام عبد الفتاح إمام- ط. مكتبة الأسرة 2005 م، الفصل الأول: أفلاطون والتراث اليوناني في كراهية المرأة، ص: 33 - 34) .

وتقول: "ولا شك أن أفلاطون يشارك رفاقه من الأثينيين احتقارهم للمرأة في عصره، فهو يضعها مع الأطفال والحيوانات في مقولة واحدة، ومع غير الناضجين والمرضى والضعاف، ولا تخلو محاورة الجمهورية -والجمهورية من أشهر مؤلفات أفلاطون، وكانت عادة الفلاسفة اليونانيين تقديم أفكارهم على هيئة حوار بينهم وبين خصومهم، وكانت كل محاورة تسمى باسم المحور الذي يدور حوله النقاش- من تمثيل النساء على هذا النحو، فقبل تقديم الفكرة الثورية الخاصة بإدخال النساء ضمن طبقة الحراس، هناك تأكيد على منع الحراس الشبان من تقليد النساء، فالمرأة كثيرة اللجاجة والتباهي، غير متعاونة، معتنية بنفسها، مجدفة، سهلة الانقياد، هشة أمام المرض والحب والعمل، فضلًا عن أنه يسهل خداع النساء بالبهرجة التي لا قيمة لها وبالخرافات، كما أنهن عرضة للإفراط في الحزن، تعوزهن معرفة ما يصلح لهن، أو ما هو خير بالنسبة لهن، وهن أدنى في العقل وبصفة عامة من الرجال، ولا يصلحن كنماذج للشباب أكثر من المجانين والحرفيين والعبيد، وفضلًا عن ذلك نجد أفلاطون يسوق تبريرًا -في جزء له مغزاه- لمنع المعاشرة الجنسية المثلية، فإلى جانب أن أحد الطرفين تنعدم فيه الرجولة، فإنه يستسلم لشهواته ويقوم بدور الأنثى البغيض، وعلى الرغم من أن أفلاطون يستهجن ممارسة اللواط، فإن فلسفة أفلاطون في الحب على نحو ما عرضها في محاورتي: (فايدروس) و(المأدبة) تعكس كلها الجنسية المثلية التي كانت منتشرة بين الطبقات الراقية في أثينا" (راجع المصدر السابق، ص 34-35) .

ولهذا "نجد أن قيمة النساء المرشحات ليكن زوجات من المعاصرات لأفلاطون تنبع من العفة، الصمت، القناعة، والاقتصاد، لكنها لا تنبع من شخصية المرأة بأي معنى إيجابي" (المصدر السابق، ص 31) .

الصفحة التالية