شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (28)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

وعن أرسطو تقول سوزان موللر: "لما كان أرسطو قد نظر إلى المرأة على أنها بطبيعتها أدنى مِن الرجل، فإنه يؤكد أن جميع العلاقات بينهما لا بد أن تعترف بقدر الإمكان بتكافؤ هذه اللا مساواة، فالعدالة السياسية التي نظر إليها باعتبارها النوع الوحيد الذي يستحق اسم العدالة، لا يمكن أن توجد إلا بين نظراء أو أنداد، بين أولئك الذين يشاركون على قدم المساواة في أن يحكموا وأن يحكموا المواطنين رفقاء، وفي مثل هذه الحالة سوف يكون من الظلم أن نعامل هؤلاء الأنداد بأية طريقة أخرى غير طريقة المساواة، لكن عندما لا يوجد مثل هذا التكافؤ بين الأشخاص فإن الدولة ستكون أمرًا مختلفًا أتم الاختلاف، ولا يمكن أن تسمى عدالة على الإطلاق إلا على نحو مجازي، لكن يبدو أن أرسطو لم يكن متأكدا من العدالة المجازية هذه، وأنها يمكن أن تنطبق على نحو مناسب على النساء، فهو في البداية يقول: "يمكن للعدالة أن تتجلى على نحو أوضح وأكثر صحة بالنسبة للزوجة أكثر منها بالنسبة للأطفال أو القطيع؛ لأن الأولى عدالة منزلية، وحتى هذه فإنها تختلف عن العدالة السياسية"، لكنه -فيما يبدو- يتراجع عن هذا التسليم عندما يقارن العدالة بين الزوج والزوجة بالعدالة بين السيد والعبد (الذي هو بالقطع مجرد حيوان) وبالعدالة بين الجوانب العاقلة والجوانب غير العاقلة من النفس، طالما أنه يقصد أحيانًا أن العبد ليس موجودًا بشريًّا على الإطلاق، ويجعل العلاقة بينه وبين سيده موازية للعلاقة بين المستبد ورعاياه، فإنه يترك لدينا انطباعًا بأن أرسطو -فيما يتعلق بالعدالة- يهبط بالمرأة إلى منزلة أدنى من الوجود البشري" (المصدر السابق، ص 107-108) .

وجاء الأدب اليوناني القديم يحمل نفس التصور عن المرأة، تقول سوزان موللر: "فهناك نغمة كراهية للمرأة قوية وواضحة منذ بداية الأدب اليوناني عند الشاعر(هزيود) في كتابيه: (الأعمال والأيام) و(أنساب الآلهة). فقد عاش الرجال على الأرض -طبقًا لرواية هزيود- فترة طويلة أحرارًا بغير مرض ولا تعب ولا جهد، ثم ظهرت (باندورا) -هي حواء في الأساطير اليونانية- للمرة الأولى التي جلبت معها الشرور والشقاء للعالم، و(منها ظهر جنس خبيث وقبائل من النساء، ومصدر عظيم للأذى، وعاشت جنبا إلى جنب الرجال الفانين)، وهكذا كان أول انحطاط للجنس البشري مرتبطا بظهور المرأة أو العقاب الأزلي للرجل، رغم أنها كانت -لسوء الطالع- ضرورية للإنجاب، ومفيدة لأعمال المنزل، حتى إن هزيود ينصح الفلاح أن يحصل أولًا على المنزل، ثم على المرأة، ثم على الثور الذي يحرث الأرض، لكنه يحذر قراءه من الثقة في المرأة بأي وجه من الوجوه، وفي استطاعتنا أن نستخرج من أعمال (هوميروس) صورة مماثلة، وإن كانت أقل عنفًا في عدائها للمرأة" (المصدر السابق، ص 25-26).

وتضيف: "صحيح أن التراث اليوناني يصوِّر وجود إلهات مِن الإناث لهن قوة ومركز وكرامة، إلا أنه ينبغي علينا أن نتذكر أن كلمة إلهة لا تدل بالضرورة على جميع الخصائص التي تلحق عادة بالأنثى البشرية، فأعظم الإلهات -لاسيما الإلهة أثينا- كانت تمتدح لما لها من صفات الرجولة" (المصدر السابق، ص 26) .

ففي الحياة اليونانية القديمة كان "لا ينظر إلى الزوجات أو الفتيات على أنهن يصلحن للمشاركة في المناقشات الجادة، علمًا بأن إنكار خبرتهن العقلية يستمر حتى في سن النضج، فهن يعاملن معاملة القاصر، إذ يحرم عليهن ما يحرم على الفتيات تحت سن الثامنة عشرة، ولا يسمح للمرأة في ظل القانون الأتيكي -أي القانون الأثيني- أن ترفع دعوى أمام القضاء إلا عن طريق الكفيل القانوني، كما يمنع النساء من الاقتراب من الأماكن التي يناقش فيها الرجال والفتيان مسائل عقلية أو شئونًا مدنية: الملاعب والأسواق ودور القضاء والموائد"، "ولم تكن أنشطة النساء في أثينا وحركتهن محدودة بقسوة فحسب، كما هي الحال في عصر هوميروس، وإنما امتد هذا الكبت، وبنفس القوة، إلى شخصياتهن أيضًا" (المصدر السابق، ص 30) .

لقد كانت المرأة في تلك الفترة رمزًا للخضوع والتبعية الكاملة للرجل، الذي هو رمز السمو والتفوق والعقل، في مقابل المرأة التي ترتبط بالضعة والانحطاط وضعف العقل.

المرأة الأوروبية في ظل النصرانية:

دخلت النصرانية أوروبا بعد ما أصابها من تحريف، وجاءت النظرة في تلك الفترة أشبه بامتداد للنظرة اليونانية القديمة التي تتحامل على المرأة وتحملها شرور العالم، وتفرض عليها الخضوع التام للرجل، ففي قصة خلق حواء كما جاءت في سفر التكوين في العهد القديم، وهي قصة محرفة إذ تخالف ما جاء في القرآن الكريم، فإن حواء أكلت مِن الشجرة المحرمة، بعد أن توجهت الحية إليها بالكلام وأظهرت لها الثمرة المحرمة فاشتهتها وأكلت منها، ثم أكل منها آدم، فأغوت الحية حواء، وأغوت حواء آدم، فغضب الله على حواء وعاقبها، (ففي سفر التكوين الإصحاح (3) الفقرات 12- 16): "فقال آدم: المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني من الشجرة فأكلت، فقال الرب للمرأة: ما هذا الذي فعلت؟ فقالت: الحية غرتني فأكلت. فقال الرب للحية: لأنك فعلت هذا ملعونة أنت من جميع البهائم، ومن جميع وحوش البرية، على بطنك تسعين وترابًا تأكلين كل أيام حياتك، وأضع عداوة بينك وبين المرأة، وبين نسلك ونسلها، هو يسحق رأسك، وأنت تسحقين عقبه. وقال للمرأة: تكثر أكثر أتعاب حبلك، بالوجع تلدين أولادا، وإلى رجلك اشتياقك، وهو يسود عليك".

وفي ضوء هذه القصة تكون حواء قد أعطت البشرية نسلًا يحمل الخطيئة نتيجة إطاعتها للحية، وقد حكم عليها أن تقع تحت سيطرة الرجل طوال حياتها، وقد انعكست هذه الصورة المتدنية للمرأة على النظرية النصرانية المحرفة لها في أوروبا، فجاء تراث أوروبا في القرون الوسطى يحمل كراهية شديدة للمرأة، لكونها عند الرب مصدر الشرور؛ ولأنها السبب في انحراف سلوك الرجل منذ بدء الخلق، فكان التعامل مع المرأة على أنها شيطانة، حتى وصل الأمر في القرن الخامس الميلادي إلى تساؤل آباء الكنيسة في مؤتمر عقد خصيصًا للإجابة عن سؤال: هل للمرأة روح تنجيها من عذاب جهنم؟ وكانت الإجابة القاطعة هي النفي؛ لأن المرأة ليست روحًا، بل هي جسد".

الصفحة السابقة الصفحة التالية