صفات عباد الرحمن (3) الحلم
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- الإشارة إلى موضع الشاهد من الآيات: قوله -تعالى-: ( وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ) (الفرقان:63) ، قال ابن كثير -رحمه الله-: "أي: إذا سفه عليهم الجهال بالقول السيئ، لم يقابلوهم عليه بمثله، بل يعفون ويصفحون، ولا يقولون إلا خيرًا، كما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا تزيده شدة الجاهل إلا حلمًا" (اهـ) . وقال الحسن البصري: "المؤمن حليمٌ لا يجهل وإن جُهِل عليه، وتلا قوله -تعالى-: ( وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا )" (1) .
- تعريف الحلم: قال الراغب الأصفهاني: "ضبط النَّفس والطِّباع عند ثورة الغضب، وعدم الانفعال". وقال الجرجاني: "الطّمأنينة عند ثوران الغضب، والعدول عن مجازاة الظَّالم".
- ما أحوجنا الى التحلي بهذا الخلق، لا سيما في هذا الزمان الذي فسدت فيه الأخلاق، وتفاخر الناس فيه بالغضب والثوران (2) .
(1) مكانة الحلم من الدين:
- وصف الله به نفسه، فهو يرى معصية العصاة، ويشهد مخالفه أوامره وارتكاب نواهيه، ولا يسارع -سبحانه- بالعقوبة: قال -تعالى-: ( إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ) (الإسراء:44) ، وقال: ( وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ) (النحل:61) .
- أمر به أشرف خلقه -صلى الله عليه وسلم-: قال -تعالى-: ( وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ) (آل عمران:159) ، وقال: ( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ) (الأعراف:199) .
- مدح به أصفياءه وأولياءه المتقين: قال -تعالى- عن إبراهيم -عليه السلام-: ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ ) (هود:75) ، وقال عن إسماعيل: ( فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ ) (الصافات:101) ، وقال عن أوليائه: ( وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ) (الشورى:37) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأشج عبد القيس: ( إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ، وَالأَنَاةُ ) (رواه مسلم) .
(2) فضل الحلم ومكانته من الدين:
- الحلم طريق إلى الجنة والفوز بنعيمها: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ مَا شَاءَ ) (رواه أبو داود والترمذي، وحسنه الألباني) ، وقال -تعالى-: ( وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ . الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) (آل عمران:133-134) .
- الحلم دليل على قوة القلب وشجاعة النفس، وليس الضعف كما يتصوره البعض: قال -صلى الله عليه وسلم-: ( لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرْعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ ) (متفق عليه) ، قال أحدهم لضرار بن قعقاع: "لو قلتَ واحدة أسمعتك عشرة، فقال له: ولو قلت عشرة لم أسمعك واحدة" (أدب الدنيا والدين، للماوردي ص 254) .
- والحلم يجعلك في حفظ الله وكفايته مِن الجاهلين.
(3) الرسول القدوة في الحلم:
- حياته كلها صبر وحلم، وأعظمه ما كان في دعوة المشركين: عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَيَقُولُ: ( رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) (متفق عليه) ، وكذلك: حلمه وصفحه -صلى الله عليه وسلم- عن أهل مكة يوم الفتح مع ما فعلوه (3) .
(4) مِن حلم السلف -رضي الله عنهم-:
- عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يحلم بالمسيء عندما ذكر بالقرآن: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ الحُرِّ بْنِ قَيْسٍ، وَكَانَ مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمَرُ، وَكَانَ القُرَّاءُ أَصْحَابَ مَجَالِسِ عُمَرَ وَمُشَاوَرَتِهِ، كُهُولًا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا»، فَقَالَ عُيَيْنَةُ لِابْنِ أَخِيهِ: يَا ابْنَ أَخِي، هَلْ لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الأَمِيرِ، فَاسْتَأْذِنْ لِي عَلَيْهِ، قَالَ: سَأَسْتَأْذِنُ لَكَ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَاسْتَأْذَنَ الحُرُّ لِعُيَيْنَةَ فَأَذِنَ لَهُ عُمَرُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ: هِيْ يَا ابْنَ الخَطَّابِ، فَوَاللَّهِ مَا تُعْطِينَا الجَزْلَ وَلاَ تَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالعَدْلِ، فَغَضِبَ عُمَرُ حَتَّى هَمَّ أَنْ يُوقِعَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ الحُرُّ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إِنَّ اللَّهَ -تَعَالَى- قَالَ لِنَبِيِّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ ) (الأعراف:199) ، وَإِنَّ هَذَا مِنَ الجَاهِلِينَ ( وَاللَّهِ مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلاَهَا عَلَيْهِ، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ ) (رواه البخاري) .