شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

صفات عباد الرحمن (3) الحلم

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

- زين العابدين بن علي بن الحسين وحلمه بالجارية: "جعلت جارية لعلي بن الحسين تسكب عليه الماء يتهيأ للصلاة، فسقط الإبريق مِن يد الجارية على وجهه فشجه، فرفع علي بن الحسين رأسه إليها، فَقَالَت الجارية: إن الله -عز وجل- يقول: ( وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ) فَقَالَ لها: قد كظمت غيظي، قَالَت: ( وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ) قَالَ: قد عفا الله عنك، قَالَت: ( وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) قَالَ: فاذهبي فأنت حرة" (رواه البيهقي في شعب الإيمان وفي سنده انقطاع) .

- الشعبي يدعو لمن جهل عليه: "شَتم رجلٌ الشَعبَيَّ، فقال له: إن كنتَ صادقًا فغَفر الله لي، وإن كنتَ كاذبًا فغفر الله لك" (العقد الفريد لابن عبد ربه) .

- الشافعي -رحمه الله- يرغِّب في الحلم ناظمًا:

يخاطبني السفيه بكل قـبحٍ فـأكره أن أكـون له مجيبًا

يزيد سفـاهة فـأزيد حـلمًا كعـودٍ زاده ال إ حـراق طيبًا

(5) أسباب تعين على التحلي بالحلم:

أ- احتساب أجر الصبر على الأذى عند الله : قال -تعالى-: ( وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ . الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) (آل عمران:133-134) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ مَا شَاءَ ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني) .

ب- طلب التحلي بمكارم الأخلاق: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا... ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) ، وروي: "مر المسيح عيسى ابن مريم على يهود، فقالوا له شرًّا، فقال لهم خيرًا. قيل له: إنهم يقولون شرًّا وتقول خيرًا؟! فقال: كل ينفق مما عنده" (إحياء علوم الدين للغزالي) .

ت- إفساد كيد الشيطان: قال -تعالى-: ( وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا ) (الإسراء:53) ، وقال أبو الدرداء لرجل سبه: "يا هذا، لا تُغرق في شَتمنا ودَع للصُّلح مَوضعًا، فإنَّا لا نكافئ مَن عصى الله فينا بأكثر مِن أن نُطيع الله فيه" (أدب الدنيا والدين للماوردي، ص 225) .

ج- المجاهدة والتدرب على الحلم ولو بتكلفه: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إنّما العِلْمُ بالتّعَلُّمِ، وإنّما الحِلْمُ بالتّحَلُّمِ، ومَنْ يَتَحَرَّ الخَيْرَ يُعْطَهُ، ومنْ يَتَّقِ الشّرَّ يُوَقَّهُ ) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني) .

ح- رجاء تحول المعتدي إلى صديق: قال -تعالى-: ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) (فصلت:34) ، ولقي رجل زين العابدين بن علي في الطريق، فسبه، فثار إليه مَن معه، فقال لهم: "مهلًا، ثم أقبل على الرجل، فقال: ما ستر عنك من أمرنا أكثر، ألك حاجة نعينك عليها؟ فاستحيا الرجل، فألقى إليه خميصة كانت عليه، وأمر له بألف درهم، فكان الرجل بعد ذلك يقول: أشهد أنك مِن ولد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-" (البداية والنهاية) .

فاللهم ارزفنا صفات عبادك الصالحين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بعض الناس يرد على مَن جهل عليه "سلامًا" بطريق التنقص والاحتقار، وليس ذلك هو المقصود، بل المقصود رد الاساءة بالإحسان، يعني: أنت في سلام ولا ينالك مني أذى ( قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ) (مريم:47) .

(2) فكم مِن جريمة وقعت ونفوس أزهقت بسبب عدم الحلم، وكم مِن أرحام قطعت، وأسر هدمت وأطفال شردت بسبب عدم الحلم! وكم مِن دمار وحروب وعداوات وفوضى في البلاد والعباد بسبب عدم الحلم، وإذا كان الحلم مطلبًا في كل وقت، فإنه يزداد في زماننا هذا الذي يصدق فيه قول القائل: "زمان صار فيه الحليم حيرانًا".

(3) ومِن ذلك حلم وصفح نبي الله يوسف -عليه السلام-: ( قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ . قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) (يوسف:91-92) .

الصفحة السابقة