شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

4- امتثال وعبودية

صوت السلف • من نور الوحيين

الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله و حده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، أما بعد،

فيقول النبي صلى الله عليه و سلم في دعاء استفتاح صلاة الليل: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض، حنيفا مسلما، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله لي إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعا، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك واليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، استغفرك وأتوب إليك) .

توقفنا عند الجملة الأولى وهي قوله صلى الله عليه وسلم (وجهت وجهي للذي فطر السماوات و الأرض حنيفا و ما أنا من المشركين) ، وذكرنا أنها تتضمن توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية وتذكير العبد بميله إلى الله و حبه له، والبراء من الشرك وأهله.

وأما الجملة الثانية من الدعاء فهي قول النبي صلى الله عليه وسلم (إن صلاتي و نُسكي و محياي ومماتي لله رب العالمين ، لا شريك له ، وبذلك أُمرتُ و أنا أول المسلمين) ، فهى امتثال قول الله عز وجل (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين) (الأنعام162) والمقصود أن يقولها النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من المكلفين تبعا له، فامتثلها النبي صلى الله عليه وسلم فقال (إن صلاتي ونسكي) ، قالها صادقا صلى الله عليه وسلم، ويجب على كل مكلف أن يقولها صادقـا كذلك .

أما قوله (وأنا أول المسلمين) أي من هذه الأمة، فالأظهر والله أعلم أن الداعي منا يقول "وأنا من المسلمين"، كما ذُكر في رواية مسلم (وأنا من المسلمين) ، وذلك أنه لا يصلح أن يكون هو أول المسلمين من هذه الأمة، لأن أول المسلمين من هذه الأمة هو محمد صلى الله عليه وسلم، كما لا يصح أن يقول أنا أول المسلمين في زمني، فإنه قد سبقه مسلمون لم يزالوا مسلمين منذ بُعث النبي صلى الله عليه و سلم إلى ما شاء الله من الزمان، فالأفضل أن يقول " وأنا من المسلمين " ، وبعض العلماء يقول: ينبغي أن يقول "وأنا أول المسلمين" وهذا ليس بظاهر و الله أعلم.

هذه الكلمات المباركات تذكر العبد بغايته في الحياة، الإنسان كما ذكرنا يحتاج إلى تذكير دائم بقضايا أساسية في كل يوم وليلة، وهي قضايا الإيمان والتوحيد، فالغاية من الحياة والمقصد منها والغاية التي خلق من أجلها هي تحقيق العبودية لله سبحانه وتعالى، فهو يؤكد أن صلاته و نسكه ومحياه ومماته لله رب العالمين، تحقيقا للعبودية بمعناها الشامل لكل تصرفاته ولذلك قال (ومحياي ومماتي) ليست الصلاة والذبح المختصة بالعبودية فقط وإنما الحياة والموت أيضا.

وبدأ بالصلاة لأنها أعظم العبادات البدنية، كما في الحديث الصحيح قول النبي صلى الله عليه وسلم (واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة) ، لأنها تتضمن عبادة القلب واللسان و الجوارح، فعبادة القلب فيها ، وهي الأصل ، ولابد فيها من حضور النية والإخلاص وإلا فالصلاة تبطل بلا نية ، وكذلك لابد فيها من الخشوع ، وقد قال الله تعالى (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون) (المؤمنون2) ، و كل ما في الصلاة من أذكار تتضمن عبادات القلب ، ثم يحرك لسانه بذلك ثم جوارحه من قيام وركوع وسجود، فالصلاة كلها عبودية لله عز وجل.

ولذلك فإن الصلاة تجمع أنواع العبودية، ولذا كانت خير الأعمال ، وهي قرة العين للمحبين المتابعين لسيدهم خير الخلق محمد صلى الله عليه وسلم الذي قال (وجُعلت قرة عيني في الصلاة) ، فالله جعل له في الصلاة أسعد لحظاته وقرار عينه حيث لا تتطلع إلى شيء آخر.

وكان صلى الله عيه وسلم يقول لـبلال (يا بلال أقم الصلاة أرحنا بها) ، والله عز وجل أمر عباده أن يستعينوا بالصبر والصلاة فقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين) (البقرة45) ، فالصلاة مفزع يفزع ويهرب الإنسان إليه متوجها إلى الله عز وجل، وكلما حزب الإنسان أمر فزع إلى الصلاة ، كفعل النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، فإن راحة الإنسان من الهموم والغموم في الصلاة الخاشعة، و إذا رزق الخشوع فيها والحضور فهي فعلا قرة العين، ولذلك بدأ بها فقال (إن صلاتي ونسكي) .

وذكر النبي صلى الله عليه وسلم النسك ، وله في هذا الموضع معنيان في تفسيرين:

المعنى الأول: الذبح، كما قاله مجاهد وسعيد بن جبير والضحَّاك.

أو المعنى الثاني وهو: التعبد بجميع أنواع العبادة، فيكون النسك بمعنى العبادة، ومنه متنسك أي متعبد، وهو من عطف العام على الخاص.

فكل العبادات بما فيها الذبح لله عز وجل وحده لا شريك له لا يجوز صرف شيء منها لغيره، كما قال تعالى في شأن الذبح أيضا وجمع بين الصلاة والذبح (فصل لربك وانحر) (الكوثر2)، أي اجعل صلاتك لله وحده ولا تسجد لغيره وكذلك اجعل نحرك وذبحك لله وحده لا شريك له ولا تذبح لصنم أو وثن أو غيره من دون الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (لعن الله من ذبح لغير الله) .

ثم ذكر المحيى والممات في قوله (ومحياي ومماتي) ، إقرارا بأن تكون حياته لله وأن يكون موته لله، فالمؤمن يحيى حياته كلها لله بأن يزن أمورها بتعاليم الإسلام، يعيش بالإسلام ويعيش من أجله، ويزن كل أمر من الأمور بميزان الإسلام ويعمل كل الأمور بشرع الله ويدعو إليه ويسعى إلى أن يعبـِّد الخلق كلهم لربهم، كأفراد ومجتمعات ودول وشعوب، يسعى إلى تحقيق عبودية الفرد وعبودية الأمة وهو يموت على ذلك و يموت أيضا من أجله.

وهنا تأكيد مرة ثانية على توحيد الألوهية والربوبية (إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين) هذه أفعال العبد، وهذه معاني الربوبية، فيثبت توحيد الربوبية مرة ثانية، وينفي الشرك بقوله (لا شريك له) ، لا شريك له في ربوبيته ولا شريك له في ألوهيته ولا مثيل له في أسمائه وصفاته، والعبد يشهد ذلك ويعلمه ويطبقه في أقواله وأفعاله، فيحقق نوعي التوحيد العلمي والعملي، الإقرار والشهود، والقصد والطلب .

الصفحة التالية